لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٨٨

لقاعات

في الفكر و الدعوة

هناك أُمم استخلفت في هذه الأرض ومُكّن لها فيها، وقد تمكنوا أكثر مما تمكن من بعدهم كما يقول الله الله في وصف أولئك: {وَأَتَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا. [الروم: 9]، أي أكثر مما عمرها من بعدهم، وهذه آثارهم باقية إلى وقتنا هذا تدلّ على قوة تلك الأُمم التي مُكِّن لها في الأرض وعمرتها، فالأهرامات هي دليل القوة، ومن الذي يستطيع الآن أن يبني مثل بنائها!! كذلك ما يُشاهد من معالم حضارية بقيت في هذا العالم إنما هي دلائل قوة وتمكين في هذه الأرض.

وهناك ما يدلّ ـ في بعض الحفريات السابقة - على طول التمكين، فقبل عقود من السنين اكتشف أحد الأمريكان مملكة كانت قائمة في بلاد ما وراء النهر، كانت تسمى مملكة (كيش الأولى)، تعاقب على حكمها ثلاثة وعشرون ملكاً لمدة أربعة وعشرين ألف عام، ومعنى ذلك أن نصيب كل واحد من الملوك الثلاثة والعشرين من الحكم في هذه المدة كان أكثر من ألف عام إن قسمت هذه المدة بينهم بالسوية، فهؤلاء كم عُمّروا؟! وكم تمتعوا بخيرات هذه الأرض؟! وكم التهموا ملذاتها؟! ولكن مع ذلك بادوا حتى أنه لم يبق

لهم أثر، ولم يبق لهم ذكر إلا من خلال هذه الاكتشافات الأثرية تحت أنقاض الأرض. كذلك عقبتها مملكة تُسمى مملكة (أوروك الأولى) تعاقب على حكمها أحد عشر ملكاً لمدة ألفين وأربعمائة عام، ومعنى ذلك أن حصة كل واحد من هؤلاء كانت أكثر من مئتي عام إن وزعت هذه المدة بينهم بالسوية، هذا مما يدلّ على أن هناك أمماً تمتعت بما تمتعت به من السلطة والنفوذ والأثرة والاستبداد ثم طواها الزمن مع الغابرين.

كذلك قص الله - سبحانه - علينا في القرآن الكريم أنباء عاد وثمود، وفرعون وقومه، وقوم لوط وغيرهم ممن أصيبوا بالغرور فعميت بصائرهم حتى أهلكهم الله، فالمؤمن يدكر ويخشى الله - تعالى - ويتقيه ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَسَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 10 - 11]، المؤمن يدكر لأنه يخشى الله - تعالى -، ولأنه لا ينظر إلى الشكل الظاهر مع الغفلة عن المضمون والجوهر، بل يحرص على أن ينفذ ببصيرته إلى ما وراء هذه المظاهر ليتعمق بفكره، فيرى أن الله الله إنما فعل ذلك لحكمة، ذلك لأجل تذكير عباده وإنذارهم بطشه إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِي وَيُعِيدُ} [البروج: 12 - 13]، فبطش الله - تبارك وتعالى - بطش شديد، وأمره أمر سريع كما أخبر بنفسه عندما قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 50].

388

٣٨٨ / ٤٩٤