لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٩١

الكوارث والزلازل

نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24].

هذه الآية أطبق المفسرون على أنها إنما أراد الله الا الله أن يضرب فيها مثلاً لهذه الحياة الدنيا في زهرتها ونضرتها واختلابها القلوب وميل الناس إليها ثم كيف تنقلب بعد ذلك، ضرب لها هذا المثل بأنها إنما هي كماء ينزل من السماء، فيختلط به نبات الأرض، وتزدهر به الأرض، ثم يأتيها أمر من الله كإعصار مدمّر أو بركان مُحرق أو شيء من نحو هذا ليلاً أو نهاراً فتصبح يباباً بعدما كانت روضاً نضيراً، هذا هو قول المفسرين فيما أطلعت عليه، ولم اطّلع على غير ذلك من أقوالهم.

ولكن الشيخ إبراهيم عبد الباقي كما ذكرت قال بأن الآية تشير إلى أن بين يدي الساعة، يكون ازدهار وعمران، وتطور عجيب في الحياة ومرافقها ووسائلها فينشأ عن ذلك غرور يتحكم في عقول الناس حتى يخيل إليهم أنهم سيطروا على هذه الأرض وتمكنوا فيها تمكناً جعلهم قادرين على كل ما يريدون، وهذا ما يتصوّره الكثير من الناس من خلال هذه الآلات المستجدة، والقوى التي بأيديهم، فإنهم يتصورون أنهم أحاطوا بالأرض من قطريها وسيطروا عليها من كل جانب، وهذا هو منشأ الغرور، فهنا يأتي أمر الله الله ليلاً

أو نهاراً، وقال بأن (أو) هنا لا تدلّ على الشك - تعالى الله تبارك وتعالى عن الشك وإنما هي للدلالة على تنوع الوقت باختلاف جهات الأرض، فإن الساعة عندما تقوم تقوم لحظة واحدة كما قال الله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 50]، فالساعة تقوم في نفس اللحظة، وهي ليل عند قوم ونهار عند آخرين لأن الأرض كرة يدور عليها الليل والنهار فلا ينعدم أحدهما منها جميعاً، وهذا من المحتمل في تفسير الآية، ومن المحتمل أيضاً أن تكون العبارة تتناول الأمرين فهي صالحة لأن يراد بها وصف المشبه ووصف المشبه به؛ لأن من أسلوب القرآن البليغ الذي يتميز به على كل كلام أن لعباراته من الاحتمالات ما يتسع للعديد من المعاني لأجل أن تُستذكر تلك المعاني كلها؛ فمن قرأ الآية استحضر لها أكثر من معنى، ويراد التذكير بكل معنى من تلكم المعاني؛ فلا يبعد أن يكون قوله - سبحانه - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنها أَمرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: 24]، إنما هو تذكير بحال الدنيا، تنتهي بهذا

391

٣٩١ / ٤٩٤