لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٩٤

394

لقاعات

في الفكر و الدعوة

وكان أمر ـ عليه الصلاة والسلام - بالرجوع إلى الله، فلما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه من كثرة هول الموقف حتى صلى بهم وأطال الصلاة (1) كما هو معروف من هديه صلى الله عليه وسلم مع أن كسوف الشمس كما هو معلوم إنما هو ظاهرة طبيعية مألوفة.

فما كان صلى الله عليه وسلم يشغله شيء عن النظر في جانب القدر الإلهي والقدرة الإلهية الربانية التي تُصرّف هذا الوجود.

المحاور: ما قولكم في المبهور بالعلم الحديث ويجعله في المقام الأول دون ما جاء في القرآن الكريم؟

ريب أن العلم الحديث كشف عن كثير من الأمور التي كانت غامضة بالنسبة إلى الناس، ونحن لسنا مع الجامدين الذين يريدون أن يغمضوا أبصارهم عن معطيات العلم الحديث، بل نؤيد الانتفاع بهذا العلم دينياً ودنيوياً، ولكن مع ذلك كله لا نأخذ من هذا العلم الحديث قشوره وندع لبابه، فالعلم الحديث هو وسيلة لتعميق الإيمان في النفوس، فالله الله عندما يخاطب عباده بترسيخ عقيدة التوحيد في نفوسهم يأخذ ببصائرهم وأبصارهم ليطوف بها في هذا العالم الفسيح مُعرِّفاً الإنسان بأن وراء هذا العالم تدبيراً وتقديراً من لدن عزيز حكيم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فقد قال الله وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، ثم أتبع ذلك قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، هذه الآيات إنما توصل الإنسان بالكون لتعميق مفهوم الاعتقاد الحق، اعتقاد وحدانية الله؛ لأن الكون كله وحدة متكاملة نظامه واحد يجمع ما بين أطرافه المترامية، وهو يدل على أن مكونه واحد، إذ لو كان له أكثر من مُكوِّن لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة عن إرادة الآخر، وذلك مما يؤدي إلى الاختلاف في المراد كما يؤذن به قوله يا الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: 22]، وهكذا في غيرها من الآيات.

(1) سبق تخريجه.

٣٩٤ / ٤٩٤