لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٠٣الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لذلك نجد في كتاب الله الله النعي على أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فأمرهم إياهم بالبرِّ إنما هو نصيحة، ولكن من أولى بالنصيحة، إنما أولى بالنصيحة نفس الإنسان، فمن لم ينصح نفسه كيف ينصح غيره، لذلك قال الله خطاباً لبني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَب أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وهذا التقريع ليس هو على الأمر بالبر وإنما هو على ترك الائتمار به أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}، إنما التقريع بسبب هذا النسيان، نسيان الإنسان نفسه مما يأمر به
غيره من الخير.
ومن المعلوم أن فعل الإنسان للخير مدعاة لائتمار الناس بما يأمرهم به عندما يأمرهم بالخير، وكذلك تركه للشرّ هو مدعاة لأن يترك الناس الشرّ عندما ينهاهم عنه، أما عندما يكون بخلاف ذلك فإن الواقع يكون عكس هذا، فأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إنما يجرون التهم لا إلى أنفسهم فحسب وإنما إلى نفس الأوامر التي يأمرون بها والنواهي التي ينهون عنها بل إلى نفس المبادئ التي ترتبط بها هذه الأوامر والنواهي كما يقول بعض عمالقة الفكر الإسلامي: إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يكون الإنسان مؤمناً بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة؛ لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها، وجمالها من حقيقتها لا من بريقها».
ونحن نرى أن السلف الصالح استطاعوا أن يتغلبوا على الصعاب، وأن يتحدوا جميع المشكلات، وأن يتجاوزوا جميع العقبات عندما كانوا على هذا النحو، فإن السلف الصالح عندما دعوا إلى الحق وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لم تكن لهم وسائل إعلام كالوسائل المتوفرة في وقتنا هذا، إذ لم تكن عندهم وسيلة بث مباشر أو غير مباشر، ولم تكن عندهم وسيلة اتصال - عبر هاتف أو عبر شبكات المعلومات أو غيرها - بالناس، وإنما كانت الكلمة وحدها تخرج من أعماق القلوب فتتغلغل في أعماق القلوب، ولا تقف حتى تحوّل الناس من واقع إلى واقع آخر بسبب عمق تأثيرها؛ لأن الذي قالها هو بنفسه تأثر بها، فعندما يقول الإنسان الحق ويعمل به يكون عمله أكثر دعوة إلى الحق من قوله،
403