لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤404
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ويكون لعمله تأثير أبلغ من التأثير الذي يكون لقوله، فلذلك كان جديراً بمن تحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون هو مثالاً في الائتمار بما به يأمر وفي الانتهاء
عما عنه ينهى.
هذا مع أن الذي يرتكب المنكرات ويترك العمل بالمعروف غير معذور بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أنه غير معذور بفعله المنكر وتركه المعروف، بل هو مطالب بالفرضين جميعاً، مطالب بفرض أن يأتمر بالمعروف وأن يأمر به، ومطالب بفرض أن ينتهي عن المنكر وأن ينهى عنه، فهو مطالب بكلا الأمرين بالأمر والائتمار، والنهي والانتهاء، والله تعالى أعلم.
المحاور: قد يكون هناك غموض عند البعض في تحديد مفهوم المنكر خاصة في المسائل الظنية أو في المسائل التي يكون فيها خلاف بين العلماء، فبعض العلماء يعدها منكراً والبعض يعدها أمراً مباحاً كاستخدام آلات اللهو أو الفنون في بعض الأحيان أو تغطية المرأة وجهها أو حتى قيادتها للسيارة، فهناك من يقوم بإنكار هذا المنكر بحيث يعتبره منكراً صارخاً، وهناك من لا يقوم بهذا، ففي هذه الحالة كيف يتصرف المسلم؟
يجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرتب الأولويات، فيُقدّم أولاً المجمع عليه قبل المختلف فيه، ويُقدّم ما كانت مفسدته أكبر عما كانت مفسدته
أصغر، ويُقدّم ما كانت مفسدته أعم مما كانت مفسدته أخص.
فلا
ريب
أن الإنسان مطالب أن ينهى عن كل المنكرات، ولكن المنكرات تتفاوت، كذلك أيضاً المعروف يتفاوت، فالإنسان عندما يأتي إلى قوم ليست لهم عقيدة، لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يميزون بين الخرافة والحقيقة؛ يجب أولاً أن يصحح المفاهيم عندهم؛ لأن تصحيح المفاهيم هو الذي يؤدي إلى زوال غبش التصور، ويؤدي أيضاً إلى الاستقامة على الحق بعد فهم مفاهيمه، ولذلك كانت دعوات المرسلين جميعاً إنما هي إلى توحيد الله الله قبل كل شيء، فما من رسول من رسل الله ولا إلا كان داعياً إلى توحيد الله كما يقول - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُونَ﴾ [النحل: 36]