لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٠٥الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فما من نبي أرسله الله إلا كان داعياً إلى عبادة الله - تعالى - واجتناب الطاغوت قبل كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا قبل كل شيء إلى العقيدة، فلما تبلورت العقيدة وبرزت معالمها للناس وتمكنت من ألبابهم فاقتنعوا بها أخذ شيئاً فشيئاً يدعوهم إلى إقامة الدين واجتناب الأعمال التي تتنافى مع الأخلاق وتتنافى مع الفطرة ة السليمة، وهكذا تدرج في مدارج الخير، فالداعية كالطبيب يعالج كليات الأمراض ليأتي على جزئياتها.
ثم إنه لا ريب أن المسائل التي يُختلف فيها أيضاً تتفاوت؛ لأن الأقوال تتفاوت قوة وضعفاً
مما
ورجحاناً وخفة، فبعض الأقوال تدعمها أدلة واضحة قوية، فما كان مدعوماً بالدليل هو ينبغي أن يُعول عليه أكثر مما كان غير مدعوم بالدليل، إذ الأقوال وإن جلت منزلة قائلها لا تتعدى أن تكون دعاوى فاقدة للبينات التي تعضدها، إلا إذا عززتها أدلة يعتمد عليها، فهكذا يجب أن يكون التركيز على ما دلّ عليه الدليل قبل أن يكون التركيز على أشياء جانبية لم يأت دليلها. ثم الأدلّة أيضاً تتفاوت، فما كان دليله قطعياً يختلف عما كان دليله ظنياً، إذ ما كان دليله قطعياً ليس هو مكاناً للخلاف، فلا يجوز الاختلاف فيه، وكيف يختلف فيما دلّ عليه دليل قطعي.
فمثل هذه الأشياء يجب أن يكون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر متفطنين لها وواضعين كل شيء منها في موضعه.
المحاور: هل تذهبون من خلال هذا إلى وجوب العلم والفقه لدى الأمر بالمعروف
والناهي عن المنكر؟
إذ لا ريب
لا
ريب
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصحان مع الجهل، حتى وإن كان الجاهل غير معذور عنهما فإن عليه أن يسأل عما أشكل عليه من حكمهما أن العامي يطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما لا يجهل حكمه، فإن العامي يعلم مثلاً أن الخمر حرام، ولما كان عالماً بحرمة الخمر فهو في ذلك بمنزلة العالم الرباني الفقيه المتضلع المحقق لأنه قامت عليه حجة الله بأن الخمر حرام، وكذلك يعلم أن الزنا حرام، ويعلم أن السرقة حرام، ويعلم أن قتل النفس المحرمة بغير حق
405