لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤١٣الأخلاق الإسلامية
- تعالى - يخاطب النبي الله وهو أشرف الخلق، وهو بين ذلك الجيل العظيم القدر العليّ المنزلة فيقول له: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فلو كان صلى الله عليه وسلم قاسي المعاملة خشن الأخلاق لانفضّ أولئك الذين هم خير القرون من حوله، ولاستحالت الصلة بينه وبينهم إلى قطيعة، فكيف بغيره؟؟ وكيف بمن يعامل جيلاً آخر غير ذلك الجيل؟!
هِيَ
على أن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون دمث الأخلاق في دعوته، حسن المعاملة للناس جميعاً إذ يقول له: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، كذلك نجد أنه يقول في مقام توجيهه في أمر الدعوة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، وهذا يدلُّ على تأثير الأخلاق في تعامل الإنسان مع بني جنسه.
ونجد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أنّ الأخلاق هي التي تقرب العبد إلى الله، هي التي تقرّبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيكون قريب المنزلة منه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون» (رواه الترمذي وأحمد)، فالإنسان إنما يُحمد بأخلاقه، ويُوزن بأخلاقه، إذ الإنسان نسبه ما يكون متحلياً به من أخلاق فاضلة وعمل صالح يقربه إلى الله - تعالى - زلفى.
ونجد في حديث آخر أن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول للسيدة أم المؤمنين الله تعالى عنها -: «يا أم سلمة، ذهب حسن الخُلُق بخير الدنيا والآخرة»
:_
وو
أم سلمة - رضي (رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط وعبد بن حميد في مسنده)، ومعنى ذهاب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة أن حسن الخُلُق لم يدع لغيره من خير الدنيا والآخرة شيئاً، بل احتوى خير الدنيا والآخرة، معاً، فالإنسان بقدر ما يكون عليه من خُلُق فاضل في هذه الحياة الدنيا يكون له الخير الكثير فيها إذ تكون محبة الناس له تفعم قلوبهم، وكذلك بالنسبة إلى الدار الآخرة، فإن منزلته عند الله إنما تكون بقدر ما يكون عليه من أخلاق. فلذلك على الإنسان أن يحرص دائماً على أن يُحسِن خُلُقه، وأن يعامل الناس بما يجب أن يعاملوه به، لا أن يعاملهم بالقسوة والخشونة ولو كان يغير منكراً عليهم عليه أن يأتيهم
413