لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤١٤

414

لقاعات

في الفكر والدعوة

بالرفق واللطف، إذ ما دخل الرفق شيئا إلا زانه، وما دخل العنف شيئا إلا شانه فيجب أن تكون أخلاق المؤمنين جذابة، تدعو إلى الحق وإلى الإسلام أكثر مما تدعو إليهما ألسنتهم، والله - تعالى - ولي التوفيق.

المحاور حول قضية الأخلاق الموروثة، البعض عندما يريد أن يسمَ إنساناً بالأخلاق السيئة يقول هذا نشأ في ظل أبوين قاسيين غليظين، لذلك فهذه هي طبيعته ورثها عن أبويه، فهل تستطيع الأخلاق الإسلامية أن تغيّر هذه الطبائع، فتحوّل ما نشأ عليه هذا الإنسان إلى طبائع أخرى؟

الإيمان يحول الإنسان من طبع إلى طبع، ومن مسلك إلى آخر، ومن جيلة إلى جبلة أخرى، فالإيمان هو الذي يجعل الإنسان يستعلي على ما كان متصفا به من قبل إيمانه، وهذا ما نشاهده في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم يتحدث عن سحرة فرعون ويحكي عنهم كيف كان طمعهم ونظرتهم إلى الحياة المادية، وكيف كان طموحهم إلى أن ينالوا المكاسب التي كانوا يسعون إليها من وراء سحرهم، فهم الذين قالوا لفرعون كما حكى الله عنهم أَنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْعَلِمِينَ} [الشعراء: 41]، ما كانوا ينظرون إلا إلى حطام هذه الحياة الدنيا، ولكنهم بالإيمان تحوّلوا فجأة إلى طبائع غير طباعهم، وإلى أخلاق غير أخلاقهم، وإلى مقاييس غير، مقاييسهم فهم الذين قالوا لفرعون نفسه بعد أن تهددهم: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِي هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].

وكذلك بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار، فالعرب كانوا معروفين بقسوة القلوب وبغلظة الأكباد نتيجة الحروب الطاحنة التي كانت تأكل الأخضر واليابس عندهم، والأحقاد التي يتوارثها الجميع، يرثها الأولاد والحفدة عن الآباء والأجداد، إلا أن الإسلام رقق طباعهم، وهذب أخلاقهم، وغيّر مشاعرهم وأحاسيسهم، فكانوا يختلفون تمام الاختلاف، يكفي ما كان يُحكى عن أمير المؤمنين عمر الله مما كان عليه في جاهليته من الغلظة والشدة، كيف تحوّلت طبيعته إلى طبيعة أخرى عندما أكرمه الله الله بالإسلام، فكان رقيق الحاشية، لطيف المعاملة، مهذَّب الأخلاق مع ما كان فيه من الشدة، إلا أن الشدة التي كان متصفاً بها إنما كانت غيرةً على حرمات الله، ولم تكن هذه الشدة من أجل

٤١٤ / ٤٩٤