لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٢٧الكذب
فلا يدعه يلغ في أعراض الناس، ويقول الهجر من المقال، ولا يأتي بالفاسد من الحديث؛ فإنّه من باب أولى أنه مأمور بأن يحفظ لسانه حتى لا يقول إلا الصدق، ولا يُعبّر إلا عن الصدق بالصدق، ذلك لأن الكذب يؤدّي إلى انقلاب الموازين، وتغيّر الأحوال والفساد في الأرض، فمن أجل هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مايدلّ على أنّ المؤمن ليس من شأنه أن يكذب، فقد جاء عنه: «يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب» (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)، وجاء أيضاً عنه عندما سئل أيكون المؤمن جباناً قال: «نعم»، قيل: أيكون بخيلاً؟ قال: «نعم» - وذلك بطبيعة الحال مع مكابرته هذا الطبع وإنفاقه مما فرض الله تعالى عليه الإنفاق منه ـ، ولكن عندما قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: «لا» (رواه مالك في الموطأ، والبيهقي في شعب الإيمان)، فلا يمكن أن يبقى إنسان مؤمناً كذبه، كيف والله مع - تبارك وتعالى - يقول: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النحل: 105]، فالذي يفتري إنما هو الذي لا يؤمن بآيات الله، إذ الله - تبارك وتعالى ـ يأمر بالصدق والكون مع الصادقين، ومفهوم ذلك هو التحذير حتى لا يكون مع الكاذبين، فالله سما الله يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ) [التوبة: 119]، يأمر عباده المؤمنين بأن يتقوه، وأن يكونوا مع الصادقين
وذلك بأن بلتزموا الصدق في كلّ حديثهم حتى لا تنفلت ألسنتهم بقول الكذب.
ومن المعلوم أنّ في الكذب خطورة بالغة فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الصدق، ويبين فضله وميزته وأثره الحسن على حياة الإنسان، ويحذِّر من الكذب، ويبيّن كذلك خطورته ونذالته وأثره السيئ على حياة الإنسان، وذلك في قوله: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذي يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً سبق تخريجه، فمعنى هذا أنّ الإنسان بتعوّده الصدق وتحرّيه إياه والتزامه به وعدم خروجه عنه يستمرّ على الصدق دائماً، فيكون الصدق سجية من سجاياه، بينما هو إذا انفلت لسانه بالكذب وتعوّده فإنه يتحول الكذب إلى أن يكون سجية من سجاياه، فلذلك شدّد تشديداً بالغاً في هذا الأمر، وأمر الإنسان أن يحرص على أن لا يعثر على الصدق في كلامه.
427