لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨428
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ونحن نرى أن أهل الجاهلية وهم في جاهليتهم كانوا يربؤون بأنفسهم عن أن يُسجل عليهم الكذب سواء الوثنيون أو غيرهم، فنجد أهل الوثنية - على ضلالهم - يحرصون على أن لا يُعثر على كذب منهم، فمثلاً عندما كان هرقل يسأل أبا سفيان عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو سفيان مشركاً، وكان شديد العداوة للنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، ولكن مع ذلك كان يجيبه بصدق وأمانة، وترك هرقل وراء أبي سفيان أصحابه، وقال لهم: إن كذبني فكذَّبوه، لكن أبو سفيان قال بأنه لم يخش أن يكذِّبوه، وإنما خشي أن يعثروا على كذب منه، فيتحدث الناس عنه بأنه قد كذب مع أنه كان سيداً شريفاً في قومه، فكان يحذر أن يُوصم بهذه الوصمة، هذا مع جاهليته ومع كونه لا يؤمن بثواب على الصدق، ولا يؤمن بعقاب على الكذب عند الله - تبارك وتعالى، ولكن يخشى سوء الأحدوثة بأن يتحدث الناس عنه بأنه قد كذب.
وكذلك نجد السموأل يصف نفسه بالأنفة من الكذب وهو يهودي، ولكنه كان عربياً، وبطبيعته العربية كان حذراً من أن يتحدث عنه الحديث السيئ، فهو يقول:
لله
إِنَّا وإن مالت دواعي الهوى لا نجعل الباطل حقاً ولا نخاف أن تسفّه أحلامنا
وأنـ
ـصت الـ
تلظ دون الحق بالباطل
ع للقائل
فنخمل الدهر مع الخامل
فهو لا يخاف عقاباً من الله، ولكنه يخاف أن يُسفّه حلمه، وأن يخمل في طيات الدهر مع الخاملين بحيث لا يذكر إلا بهذه الحالة النذلة الخسيسة، وهكذا.
ومن المعلوم أن الإنسان إذ صدق وتحرى الصدق ولم يعثر على كذب منه اطمأن الناس إلى قوله، ووثقوا بحديثه، وكان موضع الثقة حتى في أمانته؛ لأن الصدق يدعوه إلى الوفاء بالأمانة، أما إن كان كذاباً فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، ومعنى هذا أنه مع وجود الكذابين في المجتمع يصبح الناس في قلق من أمرهم لا يثقون بأحد، وقد يتحدّث الإنسان وهو صادق ولكن لا يُوَثَق به لأجل أنهم اعتادوا الكذب منه.
من أجل ذلك عندما سأل هرقل أبا سفيان عن خصال النبي صلى الله عليه وسلم كان مما سأله عنه: هل كنتم تتهمونه بكذب قط؟ قال له: لا، ولما أخذ هرقل يحلّل الموقف من بعد قال: لم يكن