لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٣٠

430

لقاعات

في الفكر و الدعوة

رجل درس وقضى جانبا من حياته في أوروبا، ولكن مع ذلك كان كما قال هو عن نفسه: اكتحلت بإثمد المدينة، فلذلك لم يعشُ بريق الحضارة الأوروبية بصري، وهو الشاعر محمد إقبال، وقد بيّن في هذه الكلمات المنهج الذي يجب أن يكون عليه المسلم، يقول:

«إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته؛ لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إنّ مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكّر له الزمان، وعصاه المجتمع، وانحرف عن الجادة؛ لم يكن له أن يخضع، ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظلّ في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره إنّ الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يردّ».

ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحرص على تحويل الناس من الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الانحطاط إلى الرقيّ، وذلك ما لا يتمّ أبداً إلا إذا كان هو صورة إيجابية تمثل الإسلام وتجسّده كما كان ذلك عند السلف الصالح، ثم لا يكون ذلك أبداً إلا مع التزامه بقيم الإسلام ومواريثه وأفكاره واعتزازه بتاريخه وتراثه، فإن ذلك مما يجعله مؤثراً لا متأثراً، وقائداً لا منقاداً، أما مع كونه الإنسان يتزلزل ويتزعزع ويستجيب لكل داع، ويتأثر بكلّ مؤثر، ويستفزّه كلّ ما يلوح له؛ فإنّ ذلك بطبيعة الحال يدعو الناس إلى عدم به حتى ولو دعا هو إلى مكرمة أو نادى بخير وصلاح وإصلاح ما دام هو نفسه بهذه الحالة.

الأمة

الثقة

ونحن نرى أن الرسول الله ربّى هذه الأُمة على الاعتزاز بمواريثها وبأفكارها وبتاريخها وبكل قيمها وفضائلها، ربّاها على إعتزازها بصلتها بالله - تبارك وتعالى ـ، فلذلك كان يحذر هذه من التأثر بأي شيء مهما كان حتى في الأمور العادية، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التزام ذلك ـ كما جاء ذلك عنه فقد كان من شأنه عندما يدفن ميتاً أن يقوم ويظل قائماً، ولكن بينما كان قائماً له، وكان أصحابه قياماً، مرّ بهم أحد أحبار اليهود وقال: هكذا نصنع،

--

٤٣٠ / ٤٩٤