لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٥العقيدة الإسلامية
إلى غير ذلك الأدلة من
التي على براءته عالم، لكن وجدنا من المفسرين من
المسلمين من يقول بأن يوسف السلام عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها وعرضت عليه
لله
الوقوع في الفحشاء اء استجاب لها حتى جلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته، وحلّ سراويله، فرأى بعد ذلك آية تردعه عن مقارفة ما دعته إليه، جاء في بعض الروايات أنه رأى كفاً مكتوباً عليها كيف تصنع فعل السفهاء وأنت معدود في الأنبياء؟! ومنهم من قال: إنه رأى يعقوب عاضاً على يده!! إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الروايات، وهي روايات باطلة لا تصح.
وقد أجاد الفخر الرازي في هذا عندما قال: بأن من قال مثل هذا الكلام كذَّب الله - تعالى -، وكذب يوسف، وكذب امرأة العزيز، وكذَّب النسوة، وكذب إبليس، أما تكذيبه الله - تعالى - فإن الله - تعالى - قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، وأما تكذيبه ليوسف لا فإنّ يوسف حكى الله - تعالى - عنه أنه قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَنْوَاى إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ﴾ [يوسف: 23] وقال: ﴿رَبِّ السَجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، وأما تكذيبه لامرأة العزيز فإنها قالت: ﴿وَلَقَدْ رَوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ فَأَسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32]، ومعنى استعصم امتنع، وأما تكذيبه للنسوة فإن الله - تعالى - حكى عنهن أنهن قلن: حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ [يوسف: 51]، وأما تكذيبه لإبليس فإن إبليس قال: لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83]، ويوسف بشهادة الله - تعالى - هو من عباد الله
المخلصين، فأنت تصل إليه هذه الغواية!!!
وما قيل من أن المراد بقول الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: 24] أنه هم بفعل الفاحشة؛ هو غير صحيح، فإن الهمّ هنا أمرٌ غير هذا، فهي لما عرضت عليه ما عرضت من ارتكاب الفاحشة امتنع امتناعاً قاطعاً عن الاستجابة لها، ولما أصر على الامتناع كبر عليها ذلك لأنه لا يعدو أن يكون غلاماً مملوكاً، وقد جاء به سيده إليها، وجعله تحت تصرفها، وهي تعرض عليه أن تقضي منه وطرها وليس في ذلك ما يشق عليه من حيث الطبيعة البشرية التواقة إلى التفاعل مع مثل هذا الطلب ولكن هو يأبى ذلك، فرأت أن تعاقبه، فهمت به؛ أي همّت أن تضربه وهمّ بها؛ أي هم أن يردّ عليها هذا الضرب لولا أن رأى برهان ربه أي رأى من البرهان ما يدلّ على أنه لو فعل ذلك لظهر
45