لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٥١القرآن الكريم والصيف
الكلمات بما تدلّ عليه كلمة أقراً من أبعاد واسعة، بحيث إنها تدعو إلى القراءة، والقراءة إنما هي قراءة للمكتوب، والمكتوب إنما قراءته تحصيل للعلم بطرقه الكسبية، فهذا العلم المطلوب إنما يتوصل إليه بالجد والتعب وبالكتابة والقراءة بتخليده في الطروس، ونقله من مكان إلى مكان، ولا أدل على ذلك من أنّ الله - تبارك وتعالى - ذكر في فاتحة هذه السورة العظيمة أهم وسيلة من وسائل العلم، وهو القلم الذي يخلّد به العلم، وينقل به من مكان إلى مكان، ويتوارث به عبر الأجيال المتسلسلة والقرون المتعاقبة، فإنّ الله - تعالى - قال: ﴿أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5].
هذا
وأنا أعجب من أمة هذه فاتحة كتابها؛ أي هي أوّل ما نزل من الوحي على نبيها، ونتلو نحن هذه الآيات المباركة العزيزة الكريمة ليل نهار ولا نعتبر بها، أنا أعجب أُمة من كتابها، كيف تكون أُمة في مؤخّرة الأمم من نواحي متعددة مع أننا نجد في هذا الكتاب العزيز ما لا نجده في غيره؟! أولاً من حيث الربط ما بين العلم والعمل والإشادة بمكانة أهل العلم حيث يقول تعالى فيه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، ثم بجانب ذلك أيضاً نجد وصل هذا العلم بشئون هذه الحياة الدنيا؛ لتنمو الدنيا عند المسلم في حظيرة دينه حتى يستطيع أن ينظم شؤون حياته هذه، وأن يستغلها في الخير، وأن يصل ما بينها وبين الدار الآخرة بحيث يربط ما بين الحياة والموت، والدنيا والآخرة، والعمل والجزاء، والمسير والمصير، فكيف مع ذلك تكون هذه الأمة متخلفة؟!!
?
بل نجد في هذا الكتاب العزيز ما يربط ما بين العمل لمصلحة هذه الحياة الدنيا بالعبادة التي تقرّب إلى الله زلفى، بل بأهم العبادات، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10]، ونجد في هذا الكتاب العزيز أنّ الله - تبارك وتعالى - يمتنّ علينا بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، ويقول - سبحانه -: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجائية: 13]، فكيف مع ذلك سبقتنا الأمم إلى هذا الخير العظيم؟! أنا عجبت حقيقة من هذا الأمر عجباً ملك على لبّي، ذلك أنني وجدت الأمم الأخرى سبقت هذه الأمة بمراحل ومراحل، وهذا مما يدلّ على أنّ هذه الأمة قرأت كتاب ربها ولم تفهمه أو فهمته ولم تطبقه، وتلك هي مصيبة هذه
الأمة.
قبل فترة غير طويلة زارني رجل يمثّل حكومته في الجانب التجاري والجانب الثقافي في
451