لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٥٣القرآن الكريم والصيف
عالم الجسم، في العالم المعنوي وفي العالم المادي، وهذا كله إنما يكون بتأمل الإنسان لكتاب الله - تبارك وتعالى - الذي أنزله الله - تعالى - هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ويتدبره، فمعنى هذا عندما يقرأه الإنسان لا يقرؤه لأجل أن يتسلى بقراءته، وإنما يقرؤه لأجل أن يتدبّر ما فيه، ويمعن النظر في أوامره وتوجيهاته، ونصائحه وإرشاداته.
فإن الإنسان طاقة عظيمة، والله - تبارك وتعالى ـ اختزل فيه مع صغر حجمه العالم بأسره، فهو العالم الأصغر.
وتزعم أنك
صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
فالعالم الأكبر منطو في هذا العالم الأصغر، أي في حقيقة هذا الإنسان، ولكن الإنسان هذه الطاقات العظيمة التي منحها، والقرآن الكريم جاء من أجل تفجير هذه الطاقات العظيمة، جاء من أجل وصل هذا الإنسان بهذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف.
يهدر
والله - تبارك وتعالى - يمتنّ على الإنسان بنعم جُلّى في كتابه الكريم، يقول الله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: (29]، ومعنى ذلك أنّ كلّ ما في الأرض إنما هو مخلوق للإنسان، وهذا واضح من خلال التسخير، ففي هذا الكون الأرضي حيوانات تشارك الإنسان الحياة والوجود في هذه الأرض، وهي تفوق الإنسان بكثير، بعضها أعظم حجماً من الإنسان بأضعاف مضاعفة، وبعضها أقوى قوة من الإنسان بكثرة كاثرة، وبعضها أشدّ إقداماً من الإنسان، ولكن مع ذلك سُخّرت هذه الحيوانات للإنسانية، فإننا نجد أنّ الإنسان استطاع أن يستخرج الحيوانات من عمق البحار، واستطاع أن يأتي بها من موحشات القفار، جاء بالأسد والفيل، وجاء بغيرهما من الحيوانات، وسخّرها له، بينما هذه الحيوانات كلّها لم تأخذ الإنسان إليها لتسخّره لمنافعها وتستخدمه في مصالحها، بل هي قاصرة وعاجزة عن ذلك، وهذا دليل على أن الإنسان أوتي طاقات، وأنّ ما في الكون إنما هو مسخّر له.
ومع هذا يمتنّ الله - تبارك وتعالى - علينا بأنه سخّر لما ما في الكون بأسره في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، فإذا استطاع الإنسان أن يتصرّف في أيّ شيء مما يوجد في هذا الكون لمصلحته فليتصرّف؛ لأن الكون كله مسخّر له.
453