لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٥٥

القرآن الكريم والصيف

على تطبيقه والعمل به كما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه ـ عندما أخبر عن مسلك أصحاب النبي الله في تعلم القرآن أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات عشر آيات من كتاب الله لا يغادرونها إلى ما بعدها إلا بعد أن يتقنوا ما فيها من العلم والعمل (رواه أحمد والحاكم)؛ أي يحرص أحدهم على أن يتعلم عشر آيات، ولكنه لا يغادرها إلى ما بعدها إلا بعدما يتقن حفظها، ويعلم ما فيها، ويعمل بها، ويطبقها في حياته، هكذا كانوا يحرصون على تطبيق القرآن الكريم أيما حرص سواءً في مجال العبادات، أو في مجال المعاملات، أو في مجال الأخلاق أو في أي مجال من المجالات الاجتماعية والحيوية بأسرها من غير أن يفرطوا في شيء، ولو تعلّم الناس القرآن على هذا النهج، وحرصوا على أن يدركوا رسالة القرآن ومسؤولية الإنسان الذي تحمّل أمانة هذا القرآن لكان لهم شأن آخر.

نحن أمة أكرمنا الله - تبارك وتعالى - بأن جعلنا ورثة للأُمم السابقة في هداياتها وفي خيرها جعلنا ورثة لمواريث النبوات المتقدمة بأسرها، فلذلك علينا أن ندرك مسئوليتنا، إنما نحن أمة مطالبة بأن تقوم بمسئولية الرسل السابقين جميعاً، فالله - تبارك وتعالى. يقول: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، وترون هنا كيف أن الله - تبارك وتعالى - بيّن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتقديمهما حتى على الإيمان بالله، مع أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف أمراً بالمعروف حقاً، ولا يمكن أن يكون النهي عن المنكر نهياً عن المنكر حقاً حتى يتقدمهما الإيمان، ولكن تقديمها عليه إنما هو لأجل التأكيد على أهميتهما، ولأجل حفز الهمم للاستباق إليهما، ولأجل التنبيه على أن التفريط فيهما تفريط في أهم ما يميز هذه الأُمة عن غيرها من الأُمم.

فلذلك على كلّ من تعلم القرآن أن يدرك ذلك، وذلك لا يمكن إلا عندما يحرص أولاً على أن يأمر نفسه وينهاها، بحيث يكيف حياته كلها وفق تعاليم القرآن فلا يخرج في عباداته، ولا في معاملاته، ولا في أعماله الدنيوية، ولا في علاقاته بالناس عن هداية القرآن وإرشاده، بهذا نكون قد أحرزنا الخير الكثير، وبهذا نكون قد هيّأنا جيلاً للقيام بمسؤولية الدعوة إلى الله كما فرض الله - تعالى - علينا عندما قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

455

٤٥٥ / ٤٩٤