لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٥٨458
لقاعات
في الفكر و الدعوة
صلے
وفضائله، فإنّ التوصل إلى إفهام الناس من خلال لغاتهم مطلب شرعي، وهذا يدلّ عليه قول الله - تعالى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ هُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فالله الا الله يخاطب الأمم بلغاتهم، حيث أرسل إليهم رسلاً من أنفسهم حتى يفهموا. وإنما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم - وهو النبي العربي - باللسان العربي مع كون رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة عالمية لا تنحصر في العرب وحدهم؛ لأن هذا اللسان هيئ لئن يكون وعاء لكلام الله الله، وتهيأت الأُمم بفطرها لأن تتعلّم هذا اللسان، ولذلك كان العجم أكثر حرصاً على هذا اللسان من العرب؛ بحيث إنهم درسوا فنون هذا اللسان، ونظروا إلى أبعاده، وتعمّقوا في أسراره، واستطاعوا أن يستخرجوا من كنوزه ما لم يستخرجه العرب، كلّ ذلك بسبب المحافظة على القرآن الكريم.
فنحن نرجو بمشيئة الله أن يحرص المسلمون على إتقان اللسان العربي؛ خصوصاً في هذا الوقت الذي نجد فيه الكثير من الأخطاء التي يقعون فيها عندما يتحدثون بهذا اللسان، ولذلك حتى هداية القرآن أصبح عليها ضباب بسبب هذه الأخطاء الفاحشة المنتشرة على السن الناس اليوم.
المحاور: ذكرتم سماحة الشيخ أن حفظ القرآن الكريم لا بد أن يقترن بالفهم، وأن يكون فهماً عميقاً يصحبه التطبيق، هل تؤيّدون إذاً في هذه الحالة أن يعتني المدرس بتحفيظ قدر معين من القرآن الكريم، ثم يعمل جاهداً على ترجمته واقعياً في حياة هذا الطالب وتطبيقه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تحفيظ قدر آخر؟ هذا المسلك كما قلنا كان عليه أصحاب النبي الله، ومسلكهم هو خير المسالك لا ريب، إذ إنهم كرعوا من بحار النبوة، واقتبسوا من أنوارها، فهم أولى الناس بالاتباع، ولكن يتفاوت الناس منهم من يكون الحفظ أسهل عنده، ومنهم من يكون الفهم هو الأسهل عنده، فلا بد من مراعاة هذا التفاوت ما بين الناس، فمن كان أقدر على الحفظ والفهم لا يحتاج معه إلى وقت طويل يراعى فيه هذا الجانب، وهكذا إذا كان بعض الناس بإمكانهم أن تتفتح مداركهم لمعاني القرآن الكريم أكثر فأكثر؛ فهؤلاء أيضاً يراعى جانبهم، وهذا لا يعني إهمال المنهج الذي يمكن أن تراعى فيه هذه
الجوانب كلها.