لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٦٣

حادثة الإسراء والمعراج

ونحن لا نستطيع أن نحدد الزمن تحديداً دقيقاً لهذه الحادثة، والدلائل تشير بأن ذلك إنما كان بعدما توفي عم النبي الله أبو طالب الذي وقف أمام أعداء النبي ـ عليه الصلاة والسلام - حاجزاً دون النيل من شخصه بالإيذاء، وبعد وفاة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى - رضي الله تعالى عنها - التي كانت تغمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - بحنانها وعطفها وبرّها، وكانت تنسيه المشكلات والمصائب عندما يأوي إلى كنفها لما يجد منها من حسن الرعاية واللطف في المعاملة، فكانت المصيبة كبيرة على شخص النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هاتين الرزيتين الكبيرتين، ولذلك سمي ذلك العام عام الحزن.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما وجد المضايقة الشديدة في مكة المكرمة والتحدي عن أن تصل هذه الدعوة إلى الناس؛ رغب أن يجد لها متنفساً، فذهب إلى الطائف وإذا بالأمر يضيق به أكثر فأكثر، فقد اشتدت أذية أهل الطائف ومعارضتهم له صلى الله عليه وسلم أكثر مما عهده في مكة المكرمة، وهذا ما جعل صدر النبي يضيق من هذه المعاملة القاسية حتى دعا بدعائه المشهور: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت رب كل شيء، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي عضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (1). فغمرته ألطاف الله الله، ولقي من اللطف الرحماني ما أنساه هذه الصعاب التي واجهها والمشكلات التي كان ينوء بها، ففتح الله - تبارك وتعالى - له الآفاق، فآمن به عند رجوعه نفر من الجنّ، وذلك الذي يشير إليه قول الله الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف (29]، فكان ذلك إيذاناً بأن الإنس إن كانوا ضاقوا ذرعاً بهذه الدعوة التي تدعو إليها فإن الجنّ هم الذين يتقبلونها. ثم مع ذلك كانت تلكم الرحلة التي كان فيها إيذان بأن الله - تبارك وتعالى - فتح الكون

(1)

(1) مجمع الزوائد الهيثمي، دار الفكر، ج 6، ص 37. وانظر كنز العمال المتقي الهندي، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 237 والدعاء للطبراني، ج 5، ص 315.

463

٤٦٣ / ٤٩٤