لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٦٥

حادثة الإسراء والمعراج

ينبغي أن نحدد ما يقصد بالمعجزة، فلا ريب أن الله - تبارك وتعالى - يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، ونحن علينا أن نؤمن بأن الله الا الله وإن أوجد للكون نظماً وسُنناً ونواميس إلا أنه عندما يريد خرق هذه النواميس وتبديل هذه السنن لا بد من أن يقع ذلك، قد تكون هنالك جزئيات تحدث فيها حوادث من هذا النوع وإن كان النظام العام إنما يسير وفق تلك النواميس والسنن التي طبع الله - تبارك وتعالى ـ عليها الوجود، ولذلك شواهد من القرآن الكريم، منها قصة أصحاب الكهف، إذ لا يعقل حسب نواميس الوجود وسنن الحياة أن يبقى أناس على قيد الحياة لمدة ثلاثمائة وتسع سنوات مع أنهم لم يتغذوا بشيء في خلال هذه المدة، فإن هذا أمر غير مألوف بحسب عوائد البشر التي اعتادوها.

وكذلك قصة الرجل الذي أماته الله - تعالى - مائة عام ثم أحياه، وقد نص على ذلك القرآن، وكذلك بالنسبة إلى نقل صرح ملكة سبأ إلى سليمان، كل ذلك مما لا يدخل في مقاييس البشر، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تبارك وتعالى - على كل شيء قدير، يصرّف هذا الوجود كما يشاء، ويقدّم ويؤخّر في هذا الوجود كما يريد.

ومعجزات الأنبياء إنما هي من هذا النوع، إنما هي أمور خارقة للعادة، غير مقدور للبشر أن يأتوا بمثلها، وهذا مما يجب علينا أن نؤمن به، وعلينا أن نؤمن بجانب هذه المعجزات بأن هؤلاء الأنبياء قد يكرمهم الله الا الله بأمور تكون خارجة عن سُنن هذه الحياة، فبالنسبة إلى هذه الحادثة هي خارجة عن سُنن الحياة، ولكن هل نقول بأنها معجزة؟ هذه نقطة يجب أن نقف عندها.

نحن نؤمن بأن رسل الله - تبارك وتعالى - قرن الله كل دعواتهم بمعجزات خارقة للعادات، بمعنى أنها خارجة عن مألوف البشر، وعن السنن التي عهدوها في هذه الحياة، إلا أن ذلك إنما يكون في مقام التحدي، ففي مقام التحدي كانت معجزة في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وهكذا كانت في مقام التحدي معجزة موسى عليه، وهي العصا التي لقفت كل ما جاء به سحرة فرعون، وفي مقام التحدي كانت معجزة إبراهيم الليل إذ لم تؤثر النار عليه احتراقاً، وهكذا كل ما كان من معجزة للرسل إنما كان في مقام التحدي.

عيسى

٤٦٥ / ٤٩٤