لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٦٦

› ??

لقاعات

في الفكر و الدعوة

أما بالنسبة إلى النبي الله فإن الله - تبارك وتعالى - أراد أن تكون معجزته معجزة أبدية باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن رسالته لم تكن رسالة موقوتة كرسالات المرسلين من قبل، فلذلك كانت معجزته هي من ضمن رسالته، بل هي وعاء رسالته؛ لأن رسالته اشتمل عليها القرآن الكريم، فإذا هذا القرآن معجز معجز لجميع طبقات الناس، فهو معجز بالنسبة إلى العرب الذين نزل بين ظهرانيهم، وهم في ذلك الوقت قد بلغوا شأواً بعيداً في البلاغة والفصاحة بحيث كانوا لا يشق لهم غبار في الكلام نظمه ونثره وسجعه ومرسله، وهو معجز أيضاً للأُمم الأخرى، فهو معجز لأهل الكتاب بما كشف من أحوالهم، وبما عراه من دخائلهم التي كانوا يكتمونها، وهو معجز للأمم الأخرى إلى قيام الساعة لما فيه من أنباء بمغيبات لم تكن تدور ببال أحد، وإذا بالواقع يأتي طبق ما دلّ عليه القرآن، وكذلك هو معجز بالنسبة إلى التشريع المتقن الدقيق، وهو معجز بالنسبة إلى الكشف عن مخبّات هذا العالم التي كانت لا تدور بحسبان أحد، فمن كل هذه النواحي القرآن الكريم هو معجز.

وفي مقام التحدي نجد أن الناس عندما كانوا يطلبون الآيات يُردّون إلى القرآن الكريم، فالله الا الله: يقول: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِشَايَةٍ مِّن رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [طه: 133]، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِالْآيَتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59].

6

الأمة

امتداد،

فالله ما أراد أن يستأصل هذه الأمة. بسبب تكذيبها، وإنما أراد أن يكون لهذه وأن تستمر، وأن يكون لها عقب صالح يؤمن بالله ويحمل رسالة الإسلام، فلذلك جعل هذه المعجزة معجزة لا تستأصل الناس، بل معجزة تبقى يكون بها التحدي في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي معجزة متنوعة في تحديها للخلق بحسب تنوع ثقافاتهم وتنوع وعيهم وتطور إدراكهم، فهي معجزة خالدة بمطلق معنى هذه الكلمة. وهناك أمور كانت خارقة للعادات وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم، ونحن لا ننكر ذلك ولكن هذه لم تكن في مقام التحدي، فقضية الإسراء والمعراج هي خارقة للعادة، فلم تكن من مألوف البشر، ولكن إنما كان فيها تكريم الشخص النبي، وترويح لنفسه التي كانت تحمل هموماً مما أصاب هذه الدعوة من الجمود كما ذكرنا، وفيها إعظام لمقام النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف بقدره، وفيها أيضاً تنبيه على أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - جاء ليورّث هذه الأمة مواريث

٤٦٦ / ٤٩٤