لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٨٢

482

لقاعات

في الفكر والدعوة

يغير مثل هذا المنكر لا يحتاج إلى كثير، علم، إذ الناس جميعاً مشتركون في معرفة ذلك، وكذلك عندما أحداً يجد التصرف في أمر من الأمور، وهو يحسن التصرف؛ يسيء فإن عليه أن يدعوه إلى الخير، وأن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، وبهذا يكون قد

أدى ما عليه.

وكذلك من هذا الباب تربية الإنسان لأولاده على طاعة الله، وعلى البر والإحسان، وعلى اجتناب سفاسف الأمور، وعلى التحلي بمكارم الأخلاق، فإن ذلك كله يدخل في باب الدعوة إلى الله ا الله، وهكذا تتوسع الدعوة شيئاً فشيئاً ويشترك فيها الناس بقدر قدراتهم، وأما العدل فهو أن لا يحابي أحداً على حساب أحد آخر، لا يحابي قريباً على حساب بعيد، ولا حبيباً على حساب بغيض، ولا صالحاً على حساب طالح، فإن الناس متساوون في هذه الناحية، لا بد من أن تكون كلمة الحق التي يقولها منبعثة من أعماق نفسه من أجل هداية الناس، لا من أجل الحيف على أحد، أو محاباة أحد على حساب أحد، فالله - تعالى - يقول: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135]، ويقول الله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا تَعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وأما الائتمار بما به يأمر والانتهاء عما عنه ينهى؛ فإنه من ضرورات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذلك لأن هذه الدعوة إن لم تكن مترجمة بالعمل ومصدقة بالفعل فإنها ولا ريب تكون متعثرة في طريقها، والحق والله يقول في تقريعه لليهود: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَب أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وليس التقريع هنا على الأمر والنهي على أمر الناس بالبر، وإنما التقريع على نسيانهم أنفسهم، فهم وإن أحسنوا من حيث دعوة الناس إلى الخير، ولكنهم أساءوا من حيث إنهم تركوا الائتمار بهذا الذي يأمرون به والانتهاء عن هذا الذي ينهون عنه.

ونجد أن السلف الصالح إنما استطاع أن يقتحم السدود، وأن يذلل العقبات، وأن يصل إلى غايته في هذه الدعوة بالتطبيق الدقيق لكل ما يدعو إليه، فالسلف الصالح كانت أعمالهم أدعى إلى الحق من أقوالهم، ولذلك تفاعل الناس تفاعلاً تاماً مع هذه الدعوة، فاتبعوا

٤٨٢ / ٤٩٤