لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٨٦486
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: المتساقطون على طريق الدعوة ليسوا بقليل في العالم الإسلامي، هل ترى سماحتكم أن بعضهم أخفق في سبيلها؟ إن كان كذلك فإلى أي الزوايا مرد ذلك الإخفاق؟ أهو فساد معتقد أم انحطاط فكر؟
هناك أسباب متعددة، فقد يكون الغبش في التصور سبباً من أسباب هذا التساقط، وقد يكون أيضاً غلبة النزوة والشهوة سبباً من هذه الأسباب، ولا أعني بالشهوة شهوة معينة هنالك شهوات مختلفة تغري الإنسان، وتدفعه دفعاً إلى ارتكاب الموبقات، من بينها شهوة حب الظهور، ومن بينها شهوة المال، ومن بينها أن أن يتبوأ مكاناً عالياً بين الناس إلى غير ذلك من الأمور التي تردي الإنسان، ولا ريب أن هذه كلها مهلكات فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]، ونحن نرى كيف أن الله - تبارك وتعالى - بدأ بالعلو هناك قبل الفساد؛ لأن حب العلو في الأرض هو الذي يدفع بصاحبه إلى الفساد دفعاً، ومن هنا كان ضرورة تنقية النفس من جميع
يحب
الشوائب.
هذه
ولا ريب أن المتساقطين كثر، فما أكثر أولئك الذين ظهروا للناس أولاً بمظهر الدعاة المخلصين الراغبين في إنقاذ المجتمع وإنقاذ الإنسانية كلها من الورطات، وإذا بهم يقعون فيما كانوا عنه ينهون، ويترامون إلى ما كانوا منه يحذرون، وهذا كله إنما يعود إلى ضعف هذه النفوس أمام المغريات المختلفة والمؤثرات المتباينة، فلذلك على كل أحد أن يحرص بأن يكون موصولاً بربه ـ سبحانه ـ، وأن لا يأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ووصل الأمر ببعض أولئك الذين كانوا يتظاهرون بذلك المستوى العالي أن انحدروا إلى دركات الإلحاد وإلى حضيض أنواع الفساد، فما أجدر الإنسان أن يحرص كل الحرص على أن يتقي الله - تبارك وتعالى -، وأن يحاسب النفس باستمرار محاسبة دقيقة، وأن يكون كما قال شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَنكُمْ عَنْهُ} [هودك 88]، فكيف يحذِّر الإنسان من أمر ثم يقع فيه بنفسه؟!
وهنا تعجبني كلمات قالها بعض الدعاة، يقول: (إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب مؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول