لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٥٣

القربة لغير الله

ذلك أنها تخرج من عصمته بمجرد صدور ذلك عنه إذ لا يحلّ مشرك لمؤمنة ولا العكس إلا إن تاب ورجع إلى عقيدة الإسلام، وتبرّأ من هذه العقيدة الزائفة التي يعتقدها في الأشجار والأحجار وأخلص لله عبادته ودعاءه.

وأنا أعجب كيف لا يفكّر الإنسان في أنّ هذه الكائنات بأسرها لا تملك منفعة ولا دفع مضرة عن نفسها، فكيف تستطيع أن تحقق ذلك لغيرها!! ولا يختلف اثنان من العقلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل مخلوقات الله يا الله، ومع ذلك فإنّ الله - تبارك وتعالى - يقول له: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، هذا مع أنه عندما أُمر بأن يقول ذلك كان في عنفوان حياته وملء ثيابه، فكيف بغيره؟!! بل كيف بالأموات في القبور؟! وكيف بالأشجار والأحجار وغيرها من الجمادات التي لا تعي ولا تسمع؟! فهذه القضية في منتهى

به

-

الجلاء والظهور.

هذا؛ ومن المعلوم أيضاً أنّ علينا أن نعتقد بأن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، لا يعني تسويغ ما دون الإشراك، فلا يعني ذلك تسويغ المعصية وأن المعصية التي هي دون الإشراك مغفورة بغير توبة، فإنّ الله تبارك وتعالى - قد قطع دابر هذه الأماني عندما قال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]، وهو القائل ناعياً على أهل الكتاب هذا المعتقد الخاطئ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 169].

وقد تكررت هذه الآية في سورة النساء مرتين، والسياق هو الذي يدلّ على معناها ويشخصه، فإنها مسبوقة في أحد الموضعين بقول الله الا الله يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ امِنُوا بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] ثمّ تبع ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وفي الموضع الآخر هي مسبوقة بقوله الله في نفس السورة: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ

53

٥٣ / ٤٩٤