لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٦١

الشعوذة والخرافات

،

إلى أن يعتقدوا أن كل ما يصيبهم إنما هو من تأثير الجنّ أمر مرفوض، فلو أن أحداً أصيب بوجع في رأسه أو ضرسه، أو أذنه، أو أنفه، أو رجله، أو أي نوع من أنواع الأوجاع؛ قال بأن ذلك من تأثير الجان، ولا ريب أن هذا كلام خارج عن المعقول، فالله - تبارك وتعالى - يبتلي من يشاء بما يشاء، وقد ابتلى الله - تبارك وتعالى ـ النبيين بما أصابهم من الأمراض وبما أصابهم من البلاء وبما أصابهم من الحزن، فيعقوب ابتلي بالحزن بسبب فقده ولده يوسف عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وكذلك ابتلاء أيوب وإن كان هو بنفسه قال: (أَنّ مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [ص: 41]، ولكن مع ذلك فإنه من الله - تبارك وتعالى -، وإبراهيم ل قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، ونحن نرى هذه العبارة كيف جاءت بما يدلّ على القطع بوقوع المرض، فإنه لم يقل (وإن مرضت، فإنّ (إنّ) تفيد التردد أو الشك بين الوقوع وعدمه، بينما (إذا) تفيد اليقين بالوقوع، فلذا قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ومعنى ذلك أن المرض أمر معهود في النبيين الصالحين، فكيف بغيرهم؟! فالإنسان من طبعه أن يُبتلى بالأمراض وغيرها من البلاوي المتنوعة من غير أن يتسبب لمرضه أو بلائه إنسي أو جني.

والناس الآن عزبت عنهم هذه الحقيقة فصاروا يعتقدون أن كل ما يصيبهم إنما هو بسحر ساحر، أو بأثر من تلبّس بالجانّ، وهذا خطأ كبير، ونجد الكثير من الناس تركوا العلاج بالوسائل الطبيعية والأدوية المعودة لعلاج أسقامهم، مع أنه لا بد من هذا العلاج، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي وقال: «تداووا عباد الله، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» (رواه أبو داود والترمذي)، وقال: «لكل داء دواء إلا الموت» (1)، فلكل داء دواء علم الناس ذلك أو جهلوه، وهو موجود في هذا الكون ويمكننا البحث عنه في العالم الذي نعيش فيه؛ حتى الأمراض التي لم يكتشف لها دواء إلى الآن كأنواع من السرطان مثلاً فإنه لا بد من أن يكون لها دواء، إلا الموت فإنّه لا دواء له، وهذا ما دلّ عليه الحديث الشريف عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.

(1) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدته بألفاظ أخرى، منها ما رواه أحمد في مسنده: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ»، وما رواه الطبراني في المعجم الكبير: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ دَاءَ إِلا خَلَقَ لَهُ شِفَاءَ إِلا السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ.

61

٦١ / ٤٩٤