لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٦٢

62

لقاعات

في الفكر و الدعوة

فالناس مأمورون أن يأخذوا بالوسائل، وقد روي أن داود ا ابتلي بمرض فدعا الله تعالى أن يعافيه، فأمره الله أن يأخذ بالأسباب وأن يتداوى، وهذا لئلا تتعطل سنن الوجود ونواميس

الكون، وإلا فإن الله تعالى قادر على شفائه من غير أن يكون هنالك أي علاج آخر.

ومما يذكره العلّامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» أن شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده كان أصيب بإسهال، واستعصى إسهاله على العلاج، فرأى في منامه أحداً يقول له: اشرب من عين كذا، فشرب منها فعوفي وانقطع الإسهال الذي كان به، فاكتشفوا من بعد أن تلك العين تجري عند نبعها على عروق، وفي تلك العروق علاج للإسهال. فالله - تبارك وتعالى ـ الذي أوجد هذه الأسباب قادر على أن يكشف لعباده من خلال رؤى منامية يرونها ما يدلّ على خيرهم وسلامتهم ويدلّ على علاج أمراضهم، وهو قادر أن يجعل من الشيء البسيط الذي لم يعتد أن يتداوى به الناس علاجاً وشفاء لبعض الناس، فالله - تبارك وتعالى - على كل شيء قدير.

وإنما ركون الناس إلى مثل هذه الأفكار الخاطئة والتعلق بهذه الأوهام هو ناتج عن جهلهم أولاً بالعقيدة الصحيحة، فإن العقيدة الصحيحة تقتضي أن يكون الإنسان واثقاً بربه، متوكلاً عليه، منيباً إليه، معتقداً أنه وحده بيده النفع والضر، وأنه لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن بشيء لم يكتبه الله تعالى له لم يستطيعوا نفعه، ولو اجتمعوا على أن يضروه

ينفعوا أحداً.

بشيء لم يكتبه الله عليه لم يستطيعوا ضره، وهذا الذي دلَّ عليه القرآن، فإن الله تعالى يقول: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) [الأنعام: 17]، ويقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]، ويقول عل: {قُل

لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].

فالإنسان المسلم الذي يتعلق بهذه العقيدة الصحيحة، ويثق بمضمونها، يثق أنّ الله - تبارك وتعالى - وحده هو الذي بيده النفع والضر، ويأخذ مع ذلك بالأسباب المادية لئلا يعطل نظام الأسباب والمسببات فلا يهمل العلاج المادي المعروف، ويجعل من جملة الأخذ بالأسباب عياذه بالله تعالى ليعيذه ويكفيه ما يشكوه فإن الإنسان قد يتعرّض لأهوال وأزمات نفسية، ولكن عندما يعوذ بالله الا الله يكشف الضراء عنه، فإن الله عل يقول:

٦٢ / ٤٩٤