لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٨٤لقاعات
في الفكر و الدعوة
إحداهما: كانت في عام 1397 هـ وذلك أنني سمعتُ كغيري من الناس اصواتاً تردد أن شاباً عُمانياً مات في بلد خليجي آخر ودفن هنالك، وكان أبوه اصطحبه إلى ذلك البلد فكان ممن شارك في تجهيزه ومواراته في التراب، ثم بعد عودة أبيه إلى وطنه عمان ومرور عقود من السنين ظهر ذلك الشاب بصورته وشخصه مع بروز ملامحه جميع وسماته، وشاع ذلك في أوساط الناس حتى وجدت أحد مشايخ العلم - مع الأسف الشديد - دوّن هذه القصة بقلمه معتبراً أنها أعجوبة العصر، وما لبثت بعدها أن جاءني أبو الشاب وأُمه، وذكرا لي أنهما وجدا، ابنهما، وأن كل العلامات التي كانا يعهدانها فيه وجداها بعينها فازدادا يقيناً أنه هو عينه، وأن قصة موته ودفنه ما كانت إلا خدعة ساحر وهو الذي انتزعه من كنف أبيه هناك وجاء به إلى هنا ليسترقه مع غيره من المسحورين الذين سلبهم آباءهم وأُمهاتهم فتكلوهم وهم أحياء، وصاروا عندهم في عداد الموتى، قالا بأن هذا الساحر سيطر على عقل ولدهما المسحور، فأصبح لا يعترف إلا بأبوة ذلك الساحر له ولا يرتبط إلا بنسبه، وقد استبدل باسمه الذي سماه به أبواه اسماً آخر وأنهما تقدما بقضيتهما هذه إلى الشرطة، وكان مجيء أبي الشاب المفقود وأُمه إليَّ بعد الظهر، وبعد عصر ذلك اليوم نفسه أممت مجلساً للعزاء لمواساة أرباب المصيبة ففوجئت بذلك الشاب نفسه، وعُرضت عليّ قضيته؛ لأنه طلق امرأته وهو في حالة من الاضطراب النفسي يرثى لها فقد مُني بفقدانه الوعي والنباهة، فسألت عنه أهو الذي يقال بأنه مسحور؟ فقيل لي: نعم، وقد وصل الأمر إلى أن بعض الجهات الرسمية التي رفعت إليها قضيته صدقت بهذه الشهرة، حتى سمحت للرجل والمرأة الذين يدعيانه أنه ابنهما الميت أن يستحوذا عليه وأن ينتزعاه من أبيه الذي هو في كنفه، وذلك بسبب اطلاع تلك الجهة على السمات الخفية التي ذكر الرجل والمرأة اللذان يدعيانه أنها سمات ابنهما، وقد وجدت فيه كما قالا، ولكن كان ثُمَّ جماعة من الناس يشهدون ببطلان هذه الدعوى، وأنهم يعرفون ذلك الشاب أنه ابن لذلك يدعى أنه سحره، وأن معرفتهم بذلك ليست هي ناشئة عن شهرة حادثة أو دعوى مزوره، وإنما يعرفونه منذ ولادته ونشأته، وكان من حسن الحظ أن ابن خالة ذلك الشاب شخصية بارزة لها مكانة اجتماعية وسياسية في الدولة والمجتمع، فتدخل لإحقاق الحق وترك ذلك الولد لأبيه الحقيقي الذي يزعم أبواه الوهميان سحره فكان ذلك سبباً للحيلولة دون هذا التصرف الأهوج، والقرار الهزيل.
أنه
84