لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٨٦86
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
وما هي إلا برهة من الزمن حتى اختمرت في ذهن المرأة وخدينها فكرة التخلص من شبح ذلك الأرعن الهزيل الذي يسمى زوجها، لتصفو لهما الحياة من دون وجود شريك
(1)
ينغص عليهما اشتيار) لذاتهما، وفي ساعة من هزيع الليل المظلم اجتمعا على قتله بعدما تولت سقيه منوّماً ليغيب في سبات عميق بحيث لا يشعر بما بيتاه له، وبعد تنفيذ جريمتهما أخذه الشاب على كتفيه ومشى به مسافة في عرض البحر فرماه بين أمواجه، وقامت المرأة بعد يومين بإبلاغ الجهات المختصة أنها فقدته إذ خرج ولم يعد، وأعلن في وسائل الإعلام خبر غيابه، وبعد خمسة وعشرين يوما لفظه البحر في شاطئ قريب من مسرح الجريمة، وعند ذلك بحثت الشرطة عن خيوط القضية حتى تمكنت من قبض طرفها وتمكنت من وصولها إلى الحقيقة الغامضة، فأخذت القضية مجراها في المؤسسات العدلية وصدر عليهما حكم بالإعدام، ثم عرضت على اللجنة الشرعية الخاصة بقضايا إعدام المجرمين، وكنت أحد أعضائها، ووجدتُ في ملف القضية أن الرجل كان التحقيق معه والتخاطب في شأنه باسمه المزور الذي هم اسم للشاب الميت الذي تقمص شخصيته، وعندما أردت تحرير رأي اللجنة الشرعية في الحكم حرت ماذا أكتب، إذ إنني على اطلاع من خلال شهرة حديث الناس وما بثته وسائل الإعلام أن الرجل يتقمص شخصية ميتة، فسألته بلهجة فيها شيء من الفضاضة: من أنت؟ وما اسمك الحقيقي؟ فاستجاب على الفور وأخبرنا بقصته بتفاصيلها، وذكر هويته ونسبه ومن هو أبوه ومن هي أُمه، فاندهشت تلك العاهر من كلامه وقالت له: ألست تقول بأن تلك هي أُمك؟! فقال: بأُمي، ولكنني ابتليت بها فَرَددتُ عليه لست المبتلى بها وإنما هي المبتلاة بك، وسألته عمّن أوحى إليه بأخبار الشاب الميت الغامضة التي خدع بها الناس واتخذها شراكاً لاقتناص عقولهم، فأجاب بأنه وأخو الميت من أبيه اجتمع به في الغربة فلقنه جميع تفاصيل قصص ذلك الميت وأحواله، وهنا أدركت أن وراء الأكمة ما وراءها، إذ لا بد من أنهما كانا يبيتان مكيدة يستهدفان بها بريئاً، فأوعزت إلى الضابط الذي تولى تحقيق قضيتهما أن يحقق مع أخي الميت، الذي يزعم أنه الذي علمه ما غرر به العقول وخدع به النبهاء فضلاً عن الأغبياء، غير أنه لم يقم بهذا الواجب وقد طويت صفحة القضية بإعدام المجرمين.
(1) جاء في القاموس المحيط: «شار العسل شوراً وشِياراً وشِيارةً ومشاراً ومَشارةً: استخرجه من الوَقْبَة» اهـ.