لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٨٧السحر
ومن خلال هاتين القصتين تتضح حقائق الأساطير التى تشاع بين الناس من أن أشخاصاً أخذوا بالموت ثم عادوا إلى أهليهم أو ظهروا في مجتمعات أخرى، فما هي إلا خيالات تنسجها عقول مريضة لا يسكن هياجها إلا هذه الأباطيل، التي ترددها ألسنة لا تبالي بما يصدر عنها من قول الزور.
أما قصة سحر النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ فقد وردت في الصحيحين، وتلقاها - مع الأسف الشديد - كثير من الناس بالقبول، وراجت في الكتب، ولكن عندما نرجع إلى التحقيق نجد أنه ليس كل ما ثبت سنده من الروايات مقبولاً متنه، فالروايات يجب أن تنقد من حيث المتون كما يجب أن تنقد من حيث الأسانيد، فكم من رواية علتها في متنها لا في سندها.
ومما هو معلوم قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من كل ما يفقده الصواب في الفكر أو النطق، والسحر الذي ذكر عنه لا يمكن أن يصيب النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - بحيث يُخيَّل إليه انه يفعل الشيء وهو لا يفعله، حتى يخيل إليه أنه يأتي نساءه وهو لا يفعل ذلك، فإن هذه حالة تنافي العصمة التي هي ضرورية لسلامة الوحي وأمانة التبليغ، فلو قيل بهذا لوجد المجرمون والملحدون سبيلاً إلى الطعن في الوحي؛ إذ بناءً على هذا يكون غير مأمون أن يصاب بالتحريف والتبديل، ومن أمثلة ذلك الترويج لقصة الغرانيق التي نالت حظاً وافراً من الترويج والإشاعة حتى اغتر بها من لا يفرق بين لطاته وقطاته، فسودت بها صحائف المدونات وما هي من الحقيقة في شيء، وإنما هي من ضروب الخيال الذي أمرض العقول فأفقدها سلامة التفكير، وإن صورت في صورة مزوّقة تغري النفوس بقبولها، فعلينا أن نوقن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من قبل الله، وأن كل ما ينطق به إنما هو وحي من عند الله تعالى، فلا يمكن أن يؤثر عليه سحر الساحرين، كما لا يمكن أن تتدخل الشياطين في الوحي الموحى إليه من رب العالمين؛ حتى يخيل للناس ما يمليه أولئك الشياطين أنه من جملة الوحي، والله
تعالى المستعان.
87