الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٠٠أن التأويل صحيح ثابت وأنَّ الله عز وجل يرشد عباده إلى التأويل بهذا الكلام القدسي الذي يحكيه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن الرسول الأمين ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: (إنَّ الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) فالذين يمنعون المجاز يلزمهم أن يكون الله سبحانه سمع العابد الناسك وبصره ويده ورجله فيكون العابد بعد ارتقائه مراتب العبادات وتقربه إلى خالقه بأنواع التنفلات لا يعبد الا سمعه وبصره ويده ورجله التي هي أجزاء من حقيقته وهل هذا إلا عين المحال، ورأس الشرك والضلال، ومن العجب أنك تجدهم يثبتون الله سبحانه تمشياً مع قاعدتهم - من صفات النقص ماصرح القرآن بنفيه عن الله كالنسيان الذي يصفون به الله سبحانه - أخذاً من قوله نسوا الله فنسيهم (2) كأنهم لم يقرع مسامعهم قول العزيز الحكيم وماكان ربك نسيا (3) وصدق الله سبحانه فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (4)
هذا مع أنَّ القول بالمجاز تواطأ عليه جمهور الأمة سلفاً وخلفاً ومن خالفهم فقد حكم على نفسه بقلة معرفته بكلام العرب، ودرايته بأساليب اللغة ووجوه المخاطبات، وقد ألفت الكتب الكثيرة في القول بالمجاز والاستشهاد عليه بآيات الكتاب العزيز وأحاديث السنة النبوية المشرفة، ومن قديم ماكتب في موضوع المجاز كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي، وقد عالج في كتابه هذا كيفية
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة كتاب الدعوات ماجاء في الرقاق باب في التواضع ج 4 ص 129 نشر دار المعرفة بيوت - 1978 م. وقد استفدته من شريط سمعي مسجل بصوت سماحة
المفتي العام للسلطنة. (2) سورة التوبة آية (67) (3) سورة مريم آية (64).
(4) سورة ال عمران آية (7). والكلام مستفاد من تعليق سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي على المشارق ص 209.
-1 .. -