الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٩تسميتهم الشيء باسم ماله تعلق به كاسم «الغائط» فانه في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض ونقل بالعرف إلى الخارج المستقذر من الإنسان، وهم إنما سموه بذلك لنفرة الطباع عن التصريح باسمه الخاص به، فيكنون عنه باسم ما انتقل عنه وذهب شيخنا القطب - رحمه الله - في الذهب إلى أن لفظة الغائط مجاز مرسل، وتسميته بهذا الإسم تسمية باسم محله، فعلاقته الحالية أو المحلية أو هما معاً، فإن الغائط حقيقة المكان المنخفض (2). «الثانية»: أما الصورة الثانية من الحقيقة العرفية العامة فهي كأن يكون الاسم قد وضع في اللغة لمعنى عام ثم يخصص بالعرف ببعض ماكان يفيده معناه اللغوي، وبعبارة أخرى قصر الإسم على بعض مسمياته وتخصيصه به، وذلك كلفظ «الدابة» ـ مثلاً ـ فإنها في أصل الوضع موضوعة لكل ما يدب على الأرض، فلربما أطلقت على الانسان بحسب المعنى اللغوي، وفي القرآن الكريم وإن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) (3)، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (4)، وقد غلب على هذا اللفظ استعمال العامة له في ذوات الأربع فهم يقصرونه عليها، ولا يتبادر منه عند الإطلاق إلا ذلك، ومثل لهذه الصورة في «الطراز» بلفظتي «الجن» و «القارورة»، فإن الأول موضوع لكل ما استتر - ومن ذلك تسمية «الجنة جنة لاستتارها بما التف من الأشجار حولها - واختص هذا اللفظ ببعض من يستتر عن العيون، وأما اللفظ الثاني - وهو القارورة ـ فإنه موضوع في الأصل لمقر المائعات، ثم اختصت ببعض الآنية دون غيرها مما يستقر
(3)
(1) الاحكام - ت: سيف الدين الآمدي ج 1 ص 27 ط: دار الكتب العلمية، وانظر كذلك: الابهاج للسبكي ج 1 ص 275 ط: مكتبة الكليات الازهرية القاهرة.
(2) الذهب الخالص ص 102 ط: المطابع العالمية - سلطنة عمان، وانظر / الاشارة الى الايجاز
19.00
(3) الانفال / 55
(4) هود / 6
(5) الطراز ج 1 ص 53