الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٣١

الاطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لايصح» أ. هـ. (1).

وكلامه هذا لايدل على ما أراده ولايتم به ما ابتغى من إبطال حدّ الحقيقة، فحدّها المذكور صادق على أنواعها الثلاثة، جميعها، ولم تخرج الحقيقة العرفية من هذا التعريف، فالألفاظ التي دلت على معنى عرفي يعتبر وضعها كالوضع الذي تم للحقيقة اللغوية إذا ما استعملها قوم للمعنى الذي يتعارفون بها عليه فيما بينهم وقد نفى ابن تيمية أن يتقدم وضع أول للحقيقة العرفية وهذا لا يسلم له، كيف وقد أورد هو نفسه حقائق عرفية وضعت لمعنى أوّلي في اللغة ثم نقلت إلى معناها العرفي كالدابة والمزادة والضعينة والراوية (2).

(2)

والظاهر أن اللفظ في حالة كونه حقيقة لغوية يكون بذلك قد وضع وضعاً أولياً فإذا تعورف به على معنى آخر بينه وبين معناه الأول مناسبة وعلاقة كان قد وضع بذلك وضعاً ثانياً فإذا كان هذا الوضع الثاني من قبل الله تعالى سمّى لأجل شرف الواضع ورفعته شرعياً تمييزاً له عن وضع العباد الذي يطلق عليه حقيقة عرفية، ولا يخرج اللفظ عن وصف الحقيقة سواء في الوضع الأول أو الثاني ولا يسمى استعماله في غير ما وضع له حقيقة بل ذلك هو عين المجاز، والفرق بينهما أن اللفظ وهو حقيقة دائم الرسوخ في معناه الحقيقي لا ينفك عنه غالباً دال عليه بداهة فإذا استعمل في غير معناه الحقيقي كان كأنما خرج عن إطار وضعه لحاجة طارئة، ومناسبة لازمة، وقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ثم لا ينفك أن يعود بعدها إلى أصل وضعه الطبيعي ولهذا موضع بسط ليس هذا محله.

(1) الإيمان لابن تيمية ص 88: دار الكتب العلمية - بيروت.

(2) الإيمان ص 87

--