الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٩

ألجأ إلى القول في هذه الآيات بالمجاز تنزيه الخالق عز وجل عن مشابهة الحوادث

وحدود

فالله عز وجل يقول: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (1). سابعاً: ذكر أحد الباحثين (أنَّ «للأثر الذي يتركه اللفظ في نفس السامع من الغرابة أو الدهشة عاملاً مهماً في الحكم على الحقيقة أو المجاز، وذلك لأن الحقيقة لا تعدو أن تكون استعمالاً شائعاً مألوفاً للفظ من الألفاظ وليس المجاز إلا انحرافاً عن ذلك المألوف الشائع، وشرطه أن يثير في ذهن السامع دهشة أو غرابة أو طرافة تلك الغرابة أو الطرافة تختلف باختلاف تجارب المرء مع الألفاظ وباختلاف وسطه الاجتماعي أو الثقافي .... فنحن مثلاً حين نقرأ ما يروى عن المعظم عيسى بن الملك العادل حين قال في صفة مشروب يعالج به داء الذنوب: «شراب مركب نافع لشاربه يوم الفزع الأكبر شافع، يؤخذ من مستحكم مرير الصبر، وما احلولى من لذيذ الذكر، فيغربلان بغربال التفكر السهري، ويدافان بماء العين النظري، ثم يصفى المجموع بلباب العلم التجردي، ثم يعجن بعسل المحبة الإلهية فالمرء عادة حين يقرأ مثل هذه القطعة لا يكاد يتمالك نفسه من الإبتسام لأن ما يثيره استعمال ألفاظها قد جاوز الحدود المألوفة ومع ذلك فقد يقف الصوفي من مثل هذه القطعة موقفاً مبايناً فيتبين فيها نواحي من الجمال، وتحل من نفسه محل الرضا

والإعجاب.

إنَّ الغرابة أو الدهشة والطرافة قد تلازم المجاز في الاستعمال زمناً ما بعده قد يفقدها، ويصبح من الألفة والذيوع بحيث تنسى مجازيته ويصير من الحقيقة، وهناك نوع آخر من المجاز يتميز بالطرافة، ويصادف من جمهور الناس الإعجاب، ويُنظر إليه على أنه نوع من الابتكار والاختراع ذلك هو ما تتفتق عنه قرائح الأدباء والشعراء والصفوة من أصحاب البلاغة واللسن، حين يعمدون إلى الألفاظ فينحرفون بها عن عمد وقصد إلى مجال آخر، وتلك هي الصفة التي يتنافس فيها أصحاب الشعر والأدباء (). أ ..

(1) الشورى / 11

(2) د. ابراهيم أنيس

(2)

(3) دلالة الألفاظ ص 129 - 130 - 131 بشيء من التصرف.

- {9 -