الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٧٩

وقد تلخص ردّ السيوطي على الأستاذ في التسليم لأبي اسحق بتقدم الحقيقة على

المجاز، ولكن التاريخ غير معلوم عندنا، والجهل بالتاريخ لايدل على عدم التقديم والتأخير، وكلام الإمام السيوطي يوافقه الرأي القائل بأن مرحلة المعاني الكلية تلت مرحلة المعاني المفردة، وأن المعاني العقلية تلت مرحلة المعاني المادية، وأن المعاني المجازية تلت المعاني الحقيقية، ثم ردّ الامام السيوطي قول الأستاذ بأن العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعاً واحداً، فقال: «العربُ ما وضعت الأسد اسماً لعين الرجل الشجاع بل اسم العين فيه هو الانسان، وإطلاق لفظ الاسد» عليه إنما يكون مع القرينة الصارفة، فإذا ثبت أنَّ الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساماً معقولاً الى هذين النوعين: فسمينا أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة، وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الاسامي بعد الاعتراف بالمعاني، ولهذا لايفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة، ولا يفهم منه الانسان إلا بقرينة ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولاً واحداً» أ. هـ. (1).

ونسبة إنكار المجاز إلى أبي اسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي اسحق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الامام ابن القيم عن الاستاذ في مسألة «العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً؟» وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في «البرهان» حول مسألة أصولية كذلك وهى ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: «وقال الأستاذ أبو اسحق الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى، وله عنده وجه في التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز» فهذا كلام من يُقر بالمجاز لا من يُنكره (3).

(1) المزهر ج 1 ص 365 - 366.

(2) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 1111 وما بعدها.