الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٣

مع الإمام ابن تيمية:

(1)

وحين يُذكر الإمام ابن تيمية بين منكري المجاز مطلقا وفي القرآن الكريم فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة بسبب حماسته التي أبداها، والثورة التي ثارها في تقرير الإنكار، والذين أنكروا المجاز من بعده، عزفوا على أوتاره، وداروا في مدار فلكه، وأول ما يواجهنا من كلام هذا الإمام رده على الآمدي أبي الحسن علي بن أبي علي الملقب سيف الدين في كتابه «الفتاوي»، وقد ناقشه في الأمور التي جعلها الآمدي علامات للمجاز يُعرف بها وتعرضت لذكرها في الفصل السابق

(2)

وقد ذكر الآمدي أن أكثر الأصوليين على إثبات المجاز، فاعترض عليه ابن تيمية في تحديده مراده بالأصولي، وخلص إلى أن أكثر الأصوليين من الصحابة والتابعين لم يقسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز، وإنما الذين قسّموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كانوا من المعتزلة، وقد عرضت لهذه الشبهة التي أوردها ابن تيمية هنا في بداية الفصل الثاني عند الحديث عن نشأة المجاز () وأحب أن أذكر هنا أن مراد الآمدي بالأصوليين (علماء الأصول أولئك الذين بنوا أحكامهم واستنباطاتهم من الشريعة على قواعد دونوها، فإنَّ علم البلاغة العربية والمجاز بصفة أخص كان كباقي العلوم الإسلامية وفنونها لم تكن مدونة ولا مقعدة قواعده، وهذا العلم شبيه بعلم أصول الفقه حينما لم تكن تعرف مصطلحاته في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - بالشكل المعهود لدينا الآن ولكن كانت أذهان الناس تتصور القواعد الكلية وتتفهم معاني الأمر والنهي وفحوى خطاب الله سبحانه وتعالى لصفاء أذهانهم، وجودة قرائحهم، وتأصل اللسان العربي فيهم، ولكنه لما بعد العهد من عصر النبوة والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - اختلطت على أهل القرون التي بعدهم مرامي الكتاب العزيز، وصارت دلالات بعض الآيات وألفاظ القرآن الكريم مشتبهة لدى الكثيرين لاسيما من الشعوب الإسلامية التي دخلت الإسلام إثر الفتوحات

(1) هو الإمام تقي الدين احمد بن عبد الحليم بن تيمية العالم الفذ المتوفي سنة 728 هـ انظر

الأعلام ج 1 ص 144. (2) انظر ص 47 من هذا البحث. (3) أنظر ماسبق

- Ar —