الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٤

الإسلامية المتوالية مما ألجأ إلى وضع ميزان يوزن به توجيه مفاهيم آيات الكتاب العزيز بحسب الضوابط المعتبرة، حتى لا يَقصُر الذهن عن معرفتها على الوجه الصحيح، فلم يكن وضع هذه القواعد ابتداعاً وإنما هو تأصيل لما كان عليه فهم السلف منذ عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم. وكذلك … فإن مصطلحات البلاغيين في العلم الذي دونوه من حقيقة ومجاز وكناية واستعارة شبيهة بمصطلحات علم النحو من مبتدا وخبر وفعل وفاعل ومفعول وظرف واستثناء واشتغال .. الخ، كلها إنما جاءت بما كان العرب يستعملونه في كلامهم لولا أنهم لم يضعوا للألفاظ التي يتلفظون بها هذه المسميات التي تميّز بين لفظ وآخر، لأنهم كانوا يميزون بينها بسليقتهم، وما أظرف قول ذلك الأعرابي معرّضاً بالنحاة - وفي كلامه تأكيد لما نقول:

ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقى أقول فأُعرِبُ

وعندما اختلط الجنس العربي بغيره من أجناس الأمم أدى ذلك إلى ضعف اللسان العربي مما دفع إلى تلمّس القواعد والأسس التي يحفظون بها لغتهم العربية فحييت اللغة العربية بعدما خيف عليها الهلاك، على أن العلوم الإسلامية جميعها ترجع إلى أصل واحد، وتنبع من منبع واحد ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكلها تخدم القرآن الكريم، وغاية جميعها إنما هي إظهار وجوه إعجاز القرآن الكريم، وسبل تيسير فهمه لجميع فئات الناس، والأخذ بأحكامه في جميع مجالات الحياة، وهذا نابع من الإحساس بربانية مصدره وأنه من عند الله سبحانه العالم بما يصلح لعباده وما لا يصلح لهم، وصدق رسول الله فيما يروى عنه واصفاً القرآن … ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الاتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد»

(1)

(1) أخرجه الدرامي في فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه - ج 2 ص 527،526، وليس فيه ولا يمله الاتقياء) وقد نقلتها من جواهر التفسير ج 1 للشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى - وفيه يقول: «ومهما قيل في إسناد الحديث فإن البريق الذي يلمع من عباراته دليل على تألقه من مشكاة النبوة». ص 4 - ط أولى 1404 هـ 1984 م مكتبة الاستقامة بسلطنة عمان.