الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٥(1)
وقد ادعى ابن تيمية، ومن بعده خليفته ابن قيم الجوزية أن كلمة مجاز لم تُعرف بمعناها الاصطلاحي المعروف عند علماء البلاغة إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة ففي كتاب «الإيمان» قال ابن تيمية وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم، وقال في موضع آخر: وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب الردّ على الجهمية» في قوله: «إنا ونحن» ونحو ذلك في القرآن هذا من مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من قال: إنَّ في القرآن مجازاً كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب وغيرهم» ودعواه بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء، القرون الثلاثة مردودة، فلقد ذكرنا سابقاً أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة مجاز، فسيبويه ـ مثلاً ـ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبوية: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (2) إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملاً في الأهل لو كان هنا، ومثله بل مكر الليل والنهار) (وإنما المعنى بل مكركم في الليل والنهار والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعاً من المجاز العقلي وغير سيبوية من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد
(1) كتاب الايمان ص 79 وما بعدها طبعة أولى 1403 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت.
(2) سورة يوسف آية (82). (3) سورة سبأ آية (33).
(4) كتاب سيبويه بتحقيق عبد السلام هارون ج 1 ص 212 - الطبعة الثالثة 1403 هـ - 1983 م عالم الكتب.
- Ao -