الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٨(1)
والعجب من ابن القيم يدعي مثل هذا في هذه الرواية ولا يتردد في قبول رواية أخرى من طريق حنبل هذا موافقة لمذهبه فقد ذكر في «الصواعق»: قال حنبل: قيل لأبي عبد الله - كنية الإمام أحمد - ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: إسكت عن هذا وغضب غضباً شديداً، أفلا يكون قبول ابن القيم لرواية دون أخرى مع اتحاد راويهما تعصباً بعيداً عن الموضوعية؟ ومما يدل على أنَّ الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد هي القول بالمجاز ذلك الرد القوى من أحد علماء الحنابلة في القرن السادس الهجري على ثلاثة من علماء وأئمة المذهب الحنبلي اعتمدوا على الرواية النافية للمجاز عن إمام مذهبهم أحمد ابن حنبل فحملوا الصفات الواردة الله سبحانه في القرآن والسنة على مقتضى الحس ووقعوا في التشبيه والتجسيم، وهؤلاء المعنيون هم أبو عبد الله بن حامد المتوفي عام (403 هـ)، والقاضي أبو يعلى الفرّاء المتوفي عام (458 هـ)، وابن الزاغوني المتوفي عام (527 هـ) وقد أنكر عليهم العلامة ابن الجوزي أشد الإنكار وكان من كلامه فيهم: (يقولون: نحن أهل السنة، وكلُّ منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول مالم يقل فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ماليس فيه) () أ. هـ، ومن النصوص التي سردها ابن الجوزي في ردّه هذا الذي دافع به عن مذهب الامام أحمد ما يدل دلالة قاطعة على قول الإمام أحمد بالمجاز واعتباره في تأويل آيات الكتاب العزيز فقد قال: «قلتُ: قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال في قوله تعالى: يأتيهم (3) قال: المراد به قدرته وأمره، قال: وقد بيّنه في قوله تعالى أو يأتي أمر ربك (4)، ومثل هذا في التوراة وجاء ربك، قال: إنما هو قدرته (ه) أ. هـ.
(1) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 688 - 689 (2) الباز الاشهب المنقض على مخالفي المذهب ص 35،34
(3) من قوله تعالي هل ينظرون الا ان يأيتهم الله في ظلل من الغمام) البقرة آية (210).
(4) سورة النحل آية (33). (5) المصدر السابق ص 61
- M-