الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٢موضوع غير موضوع، فإن قلتم لا تناقض، فإنا نفينا الوضع الأول وأثبتنا الوضع الثاني، قبل لكم هذا دور ممتنع فإنَّ معرفة كونه مجازاً متوقفة على معرفة الوضع الثاني، ومستفادة منه، فلو استفيدت معرفة الوضع من كونه مجازاً لزم الدور الممتنع، فمن أين علمتم أنَّ هذا وضع ثان للفظ، وليس معكم إلا أن ادعيتم أنه
مجاز؟
(1)
إنَّ ابن القيم قد ساوى بين المجاز والحقيقة في جعل استعمال المجاز وضعاً ثانياً للفظ ومادمنا نقول بأن أصل المجاز وهو الحقيقة ثابت فقد جمعنا بين النفي ونقيضه، لأنَّ ابن القيم يعتبر استعمال اللفظ في غير ما وضع له معناه نفي للوضع الأول، ولكنا نقول بأن المجاز غير موضوع، وإنما هو مجرد استعمال اللفظ في معنى غير المعنى الذي وضعه العرب له، ومعرفة هذا المعنى لا تتوقف على كونه مجازاً، بل متوقفة على معرفة الوضع الأول، وقد عرفنا من مواد اللغة ومن كثرة استعمال المادة في معنى معيّن .. حتى إنَّ هذا المعنى يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ - أنَّ استعمال اللفظ في هذا المعنى الثاني ليس على طريق الحقيقة ومعرفة کونه مجازاً لا تتوقف على معرفة كونه موضوعاً وضعاً ثانياً كما يدعي ابن القيم ولزم منه الدور فإن علماء اللغة نقلوا عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز ولنا أن نمنع الدور بالتعرف على المجاز عن طريق أمارات أخرى ذكرى الآمدي بعضها منها - مثلاً - أنَّ معنى التجوز لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه
(2)
2 - ويظهر من ابن القيم التناقض في كلامه ظهوراً بيناً يوقعه فيه تعصبه المقيت وحبّ الغلب، فإنه ذكر المثبتين للمجاز وحكى عنهم أنهم قالوا يُعرف المجاز بصحة نفيه، ثم قال: وقد اعترفوا هم ببطلانه، فقالوا: هذا فرق يلزم منه الدور، وذلك أن النفي وامتناعه يتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز، فلو عرفناهما بصحة
صحة
(1) مختصر الصواعق ص 236 طبعة أولى 1405 هـ دار الكتب العلمية - بيروت. (2) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 42،41 / المجاز في اللغة والقرآن ج 2 ص 918.