الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٤

- ويقول ابن القيم: إنكم فرقتم أيضاً بينهما بأن المجاز ما يتبادر غيره إلى

(1)

الذهن، فالمتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة، وكان غير المتبادر مجازاً فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع، فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة، وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر إلى الذهن منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي أوقعكم في الوهم، فإنَّ اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لاتفيد فائدة وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيباً إسنادياً يصح السكوت عليه، وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ماقيد به فيتبادر منه في هذا التركيب مالايتبادر منه في هذا التركيب الأخير وكلامه هذا غير مسلّم فمازال المتكلمون بهذه اللغة يتلفظون بألفاظ عارية من القيود تدل على معان حقيقية، وتتبادر منها الحقيقة عند الإطلاق ومن منا ينكر أنه إذا سمع كلمة «الأرض» يتصور منها ذلك المركز السفلي المبسوط تحت قدميه وتلك حقيقتها التي وضعت لها ومن منا ينكر أنه اذا سمع كلمة «السماء» مطلقه هكذا من القرائن والقيود أنه يتصور منها هذه القبة الزرقاء المضروبة على العالم الأرضي من أقصاه إلى أقصاه؟ هل ينكر أحدنا أنه إذا سمع كلمة «ماء» أنه يتصور ذلك السائل المشروب الذي جعل الله سبحانه وتعالى فيه حياة للأجسام، ثم إننا لو ألقينا نظرة على معاجم اللغة لوجدنا أنَّ كل الكلمات فيها استعملت استعمالاً مطلقاً، فعلماء وأئمة اللغة ما نقلوا لنا التراكيب وإنما نقلوا لنا المفردات، فهم يذكرون الكلمة الواحدة مطلقة ثم يتبعونها بمعناها، وقوله: إن إفادة المعنى من اللفظ إنما يكون مع قرينة التركيب كلام غير صحيح وإلا لما فهمت أزواج النبي ـ عليه الصلاة والسلام المعنى الحقيقي لليد من قوله: (أسر عكن لحوقاً أطولكن يدا) حتى أن

(1) مختصر الصواعق ص 240، 241

(2)

(2) أخرجه مسلم بلفظ: (اسر عكن لحاقا .. الخ) صحيح مسلم بشرح النووى ج 15 - 16 كتاب فضائل الصحابة باب فضل أم المؤمنين زينب رضى الله عنها .. والحديث مروى عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قال النووي: ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد. يوهم أن أسرعهن لحاقاً س سودة وهذا الوهم باطل بالاجماع أنظر ج 16 ص 8، 9 طبعة ثانية 1392 هـ - 1972 م / دار احياء التراث العربي - بيروت.

-18 -