الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٧

اتقيتُ الشيء بمعنى تجنبته ومنه قول النابغة:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد

أي: تجنبتنا باليد بأن وضعت يدها على وجهها لئلا نراها، وهي مأخوذة من وقاه يقيه فاتقاه أي تجنبه، فهل من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى؟ وهل يُحمل قول الله سبحانه وتعالى: {واتقون ياأولي الألبب (1) معنى تجنبوني يا أولي الألباب؟ كلا والله، إنما المراد بذلك تجنب سخطه بفعل أوامره، وترك نواهيه، ومن المجاز في القرآن قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً) (2) وإلا فأين الحبلُ الذي يُعتصم به؟ فإن قيل: هو الدين فالدين لم تعهد تسميته حبلاً، ولننظر إلى قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (3) فهل هناك عُروة بالمعنى الحقيقي يتمسك بها الإنسان تمسكاً حقيقياً بحيث ان هذه العروة لا تنفصم كسائر العُرى؟ أو أن المراد التمسك بما فيه السلامة والنجاة كالذي يتمسك بالعروة الواثقة لا تنقطع بصاحبها؟ فهي استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم وعدم الإنفصام ترشيح للاستعارة، ولننظر - أيضاً - إلى قوله تعالى أولئك كتب في قلوبهم الايمن (4) ما معنى كتابة الإيمان في قلوبهم؟ هل معنى ذلك أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الإيمان؟ أو أن معنى ذلك أنه أثبت الإيمان في قلوبهم كما تثبت الكتابة في اللوح المكتوب فيه؟ ومثل هذا في كثير من الآيات القرآنية، والقرآن فيه من المجاز الشيء الكثير، ثم إننا إذا ألقينا نظرة إلى الآيات المتشابهة التي يتعلق بظواهرها المشبهة رأينا ترك تأويلها يفضي إلى تناقض فظيع في آيات الذكر الحكيم، وكذلك الأحاديث النبوية فماذا عسى أن يُقال - مع عدم التأويل ـ في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه (5) أنتابع ابن حامد الحنبلي الذي يقول: أثبتنا لله وجهاً ولا نجوز إثبات رأس (1) فقد أثبت هذا وأصحابه أن الله يدين، ويثبتون له قدمين،

(1) سورة البقرة آية (197). (2) سورة آل عمران آية (103). (3) سورة البقرة آية (256) (4) سورة المجادلة آية (22). (ه) سورة القصص آية (88). (6) الباز الأشهب ص 42.

-17 -