الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٨

ويثبتون له الجوارح التي في الإنسان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل هذه الجوارح ستفنى كلها ويبقى الوجه فقط؟ ولربما تحذلق بعض هؤلاء فادعى أن الوجه هنا هو بمعنى الذات - نعم - ولكن يمتنع إطلاق أي اسم على اسم ـ مجازاً ـ إلا إذا كان فيه أصل معنى ذلك الاسم، فلا يُطلق الوجه على ذات إلا فيما فيه وجه حقيقي، ولا تطلق اليد على النعمة ولا على القدرة إلا في الشيء الذي فيه يد حقيقة وهذه دعوى لم يقم عليها دليل، والواقع يردها، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) (1) فأين يدا القرآن؟ ويقول سبحانه: وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) (2) فأين يدا هذه الرحمة ويقول الشاعر:

وغداة ريح قد كشفت وقرة قد أصبحت بيد الشمال زمامها

فهل الريح الشمال يد؟ وهل للغداة زمام؟ ونحو هذا كثير يطول التمثيل فيه. وتتجلى ضرورة التأويل في قوله سبحانه فأينما تولوا فثم وجه الله (3) فإنَّ المجسّمين يحصرون الذات العلية في جهة العلوّ فوق العرش لقوله سبحانه الرحمن على العرش استوى (4)، فالآية الأولى إن لم تؤوّل أفادت أن الإنسان أينما ذهب في هذه الأرض فإن أمامه وجه الله تعالى وفي هذا ما يقتضي أن وجه الله سبحانه متدلّ من عرشه إلى أرضه عام لكل جوانب الأرض ولا أظن أحداً ممن لا يتأول يقول بذلك مع أنه لازم دعواهم ولكنهم يرجعون إلى ما فروا منه من التأويل كما تأولوا قوله سبحانه وهو معكم أينما كنتم (5) فيجعلون هذه

المعبة معية العلم والإحاطة (6).

(1) سورة فصلت آية (42). (2) سورة الأعراف آية (57). (3) سورة البقرة آية (115).

(4) سورة طه آية (5). (ه) سورة الحديد آية (4).

(6) من تعليق لسماحة الشيخ أحمد بن حمد ا الخليلي على مشارق أنوار العقول - الطبعة الثانية

1398 هـ - 1978 م. ص 209.