الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٩بحوث
449
الحل الوحيد في هذه الحالة هو الانفصال لإراحتهما من معاناة دائمة ونكد لا ينتهي إلى حد ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] وهو وإن كان مرّاً مذاقه ثقيلاً وقعه فإن الضرورة تلجئ إليه كما تلجئ المريض بداء عضوي إلى بتر عضوه المصاب الذي استفحل داؤه فخيف منه على سائر الجسم لأجل المحافظة على سلامة سائر الأعضاء.
هذا وقد اختلف أهل العلم في هذين الحكمين وصفة وظيفتهما الشرعية أهما محكمان في أمر الزوجين أم هما شاهدان عليهما وموكلان عنهما؟ وبناءً على كونهما محكمين فإن لهما بل عليهما أن يفرقا بين الزوجين إن رأيا تعذر الوفاق بينهما كما أن عليهما أن يسعيا إلى الجمع في حال رجائهما الألفة بعد النفرة والوئام بعد الخصام، وأما على القول بأن وظيفتهما لا تعدو الشهادة على الزوجين أو الوكالة عنهما فلا يسوغ لهما التفريق بينهما لأن بعثهما لا يعدو أن يكون للإصلاح بينهما وتحديد وسائل كبح جماح المشاقق منهما كقطع النفقة عن المرأة حتى تستقيم بعد اعوجاجها وتحسن معاملة بعلها، وفرض النفقة على الزوج مع عدم تمكينه من المرأة إلى أن ينقاد لمطلب الشرع في رفع الإساءة عنها وإمساكها بالمعروف كما أمره الله تعالى، ولكل واحد من القولين نصراء من أهل العلم سلفاً وخلفاً فالقول الأول محكي عن عدد من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ فقد روي الخلفاء الثلاثة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهو مذهب ابن عباس وقال به سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي سلمة والقاضي شريح والنخعي والشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي في أحد قوليه - والأوزاعي وإسحاق وأحمد - في إحدى الروايتين عنه، وبالغ ابن كثير حيث قال: «وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة»، ودعوى الإجماع مردودة بما نقله ابن كثير نفسه ـ كما رواه من
قضاء عن
ـ