الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢12
الفتاوى المعاملات
بيوعات الغرر، وحذر من الكثير مما يتصرف فيه الناس لمجرد أهوائهم رغبةً في تنمية المال، وفي كتاب الله ـ أيضاً ـ تحريم الميسر، وقد قرنه الله بالخمر والأنصاب والأزلام: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةُ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90، 91، فكسب المال إنما يجب أن يكون من طريق طيب نظيف، ومن وجه يفيض بالرحمة وتكتنفه الأخلاق الطيبة، لا من وجه يصبح الإنسان فيه أشبه بالوحوش المفترسة، فذلك يؤدي إلى سخط الله.
هذا والنفوس جبلت على حب المال فالله تعالى جعله قوام الحال وجعل قضاء الحوائج والوصول إلى المطالب من خلاله، فلذلك أشربت هذه النفوس حبه، كما يقول الله في وصف الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا﴾ [الفجر: 20]، وهذا الحب عندما يتنامى في النفس البشرية يسيطر على جميع جوانبها، في فكرها ووجدانها وأحاسيسها فيصبح حب المال متحكماً في الحياة بأسرها، فتقوده هذه الشهوة إلى الكثير من الأمور التي تؤدي إلى الإرهاب وإشاعة الرعب بين الناس، وتتلف الأنفس وتزهق الأرواح، وتسفك الدماء، وتستباح الحرمات من أجل تنمية المال، وربما وصل الأمر إلى أن تتقطع الصلات بسبب هذا الحب الجارف للمال بين الأقربين، فقد يعتدي الإنسان على أقرب خاصته، ليصل إلى ما بيد أخيه أو حميمه من الثروة من أجل ذلك كله جاء الإسلام بالعلاج الصحيح الذي يجعل هذه الغريزة بناءة بدلاً من أن تكون هدامة، ونجد ذلك واضحاً في وضع القيود لاكتساب المال، فلا يباح للإنسان أن يکتسبه من أي وجه من الأوجه، بل من الوجوه المشروعة فقط، كما جعل الله علاج هذا المرض بالإنفاق حتى يستعلي الإنسان على هذه الرغبة، وحتى