الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤14
الفتاوى المعاملات
- وهو وعاء يشمل كل أنواع البر، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]، ولكنه ضبط هذا الإنفاق بضوابط خلقية حتى لا يتلبس بما يحبط الثواب، فيقول تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262]، وبين خطورة المن والأذى فيقول: ﴿قَولُ مَعْرُوفُ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]، ثم يتبع قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ) [البقرة: 264]، ففي هذه الآيات حدّر الله تعالى من إحباط العمل بالمن والأذى، فالصدقة يحبطها الرياء والمن الأذى، والذين ينفقون أموالهم مناً وأذى لا يستطيعون أن يتوصلوا بإنفاقهم إلى شيء، لأنه مثل الصفوان ـ وهو الصخر الصلب الذي عليه طبقة خفيفة من التراب - لا يمكن أن ينبت عليه شيء، فإذا نزل عليه المطر كانت العاقبة أن يتكشف عن منظره الكالح بزوال تلك الطبقة الترابية التي تغطيه، فإذا بالأمر يؤدي إلى اليأس من أي فائدة، هذا شأن الذي ينفق ماله رياءً أو مناً أو أذى، فالله تعالى من عليه بأن أعطاه المال، فكيف يمن على غيره؟ بل يجب عليه أن يشكر ربه على تيسير هذا المال، وعلى منه عليه أن أنفقه في سبيل الخير.
والقرآن يحض على الإنفاق مذكراً بأخطر المراحل التي يمر بها الإنسان، ففي معرض التذكير باليوم الآخر الذي تنقلب فيه علاقة المودة إلى عداوة إلا المتقين، يأمر بإنفاق المال فيقول: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، كذلك في معرض