الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥روح
الاقتصاد
في الإسلام
15
التذكير بالموت يأمر الله بالإنفاق قبل أن يأتي ذلك اليوم فيقول: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِي أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: 9، 10]، فجدير بالإنسان أن يستعد للقاء الموت بالإنفاق في سبيل الله قبل أن يبغته ويتمنى أن يمهل ولو لوقت قصير ليتصدق بشيء وأنى له ذلك؟ وقد أمر الله بإنفاق الطيب، أي المال الذي تتشوق إليه النفس ويميل له القلب، ولا ينفق مما يزهد فيه من رديء المال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِتَاخِذِيهِ إِلَّا أَن تُعْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267]، وقد بين القرآن أن البر يكون في الإنفاق ما تميل إليه النفس من المال لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، وعندما ذكر خصال البر كان المذكور إثر العقيدة إنفاق الإنسان مما يحب من ماله على المحتاجين: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، وهذه الحقوق من غير الزكاة بدليل أن الله تعالى أتبع ذلك قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَوةَ، ومن المعلوم أن العطف يقتضي التغاير بين المتعاطفين، فلا يكون المعطوف عليه عين المعطوف، والله تعالى في معرض الدعوة إلى الإنفاق يبين لعباده أنه يغدق عليهم الخير الجزيل على الإنفاق فيقول: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]، ويقول: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]، فالشيطان يأمر بالفحشاء، والله يأمر بالخير والبر، ويعد المنفق مغفرة