الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٢142
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
عدم السجود في أثناء صلاة الفريضة على أنه لا دليل على وجوبه. ولئن كان الخلاف في هذه المسألة مبنياً على هذا الأصل؛ فإنه ولا ريب لا يخفى ما في أدلة القرآن والسنة المطهرة من حجة ظاهرة لترجيح وجوب سجود التلاوة ويترتب عليه ترجيح مشروعيته في الصلاة، أما في القرآن فحسبك قوله تعالى: ﴿فَمَا هُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 20، 21]، فإن الله سبحانه قرعهم على تركهم السجود إذا قرئ عليهم القرآن كما قرعهم على عدم إيمانهم، وهو ظاهر في دلالته على وجوب السجود.
فإن قيل: بأن الذم كان على ترك السجود مطلقاً أو على عدم اعترافهم به. قلنا: لا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف الذي يأباه ظاهر الدليل، فإن الله سبحانه إنما ذمهم بسبب عدم إتيانهم بسجود معين وهو السجود على تلاوة القرآن، ولو كان الذم بسبب عدم اعترافهم به أو بمطلق السجود لجيء بما يدل على هذا المعنى من العبارة ولما كانت العبارة بخلاف هذا، وقد أخذنا من هذا الدليل الحكم الذي تبادر منه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107]، وقال بعد ذكره جماعة من المرسلين: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] مع أنه قال في هؤلاء: ﴿أَوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَتهُمُ اقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: 90]، فلا ريب أن الخروج عن سنتهم في ذلك غير سائغ شرعاً. وأما
من السنة فقد دلّت الروايات على سجود النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ آية سجدة في صلاته حال تلاوتها، ولم تأت رواية بعكس ذلك، فتقوت بذلك دلالة الآيات على وجوب السجود على أن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة رأي لا تسوغ فيها التخطئة ولا الشقاق، والله أعلم.