الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٣

بحوث

463

معه أعلى، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد بهذا إلا الحض على قبول الهدية وإن كانت شيئاً قليلاً يسيراً، لما في قبولها من تطييب خاطر المهدي، وما في ردها من الجفاء، وهو من مكارم أخلاقه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، إذ لم يكن عظم شأنه باعثاً له على احتقار ما يهدى إليه، ويؤكده ما جاء في حديث «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، والمراد به ظلفها أو ما يكون مع ظلفها، وفي رواية الإمام الربيع بن حبيب الله لا تحقرن جارة لجارتها ولو كراع شاة محرق» (2).

وذكر القبول في حديث أبي هريرة دليل على أنها لا تنتقل إلى ملك من أهديت إليه إلا بقبوله لها، ومما يؤكده ما أخرجه أبو داود من طريق أم كلثوم بنت أبي سلمة ـ وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي الأهدى إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، وكان ذلك عندما تزوج - صلوات الله وسلامه عليه ـ أمها أم سلمة لنا فقال النبي الأم سلمة: «إني أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة إلي فإن ردت إليّ فهي لك (3)، فردت إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كما قال، فأعطى منها كل واحدة من أزواجه أوقية من مسك وأعطى الحلة وبقية الأواقي لأم سلمة، ودلالته ظاهرة أن الهدية لم تنتقل إلى ملك من أهديت إليه لخروجها عنه الله، وإلا لما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل رجوعها إليه بعدما خرجت عنه، ومن العلماء من فرق بين أن يسلمها المهدي إلى رسوله أو إلى رسول من أهديت إليه، فإن سلمها إلى رسوله فهي لم تزل

(1) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: لا تحقرن جارة لجارتها (6017)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل (1030).

(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة والصدقة، باب: جامع الصدقة (359).

(3) أخرجه أحمد في مسنده (404/ 6).