الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٧٩

بحوث

479

إن الله لبين للناس ما يأتون وما يذرون، ولذلك شاع في الناس الكثير من الأحكام الشرعية، فتبين لهم الحلال والحرام، ولكن بقيت هناك شبهات متعددة، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك جمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، القلب)، فالنبي يبين هنا أن الحلال بين والحرام بين، ولكن

ألا

أن

وهي

يدوس

هنالك مساحة ما بين الأمرين، وهي مساحة الشبهات التي يجهلها الكثير من الناس، فهذه الشبهات يجب أن تُتَّقى، لأن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، ومثله كمثل الذي يرعى حوى الحمى، فإنه قد يندفع إلى ذلك الحمي، ويتجاوز ذلك الحجر، ولكل ملك حمى، وحمى الله تبارك وتعالى محارمه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك بيان المضغة التي في الجسد يترتب عليها صلاح الجسد وفساده، فإن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب، ذلك لأن للوقوف عند حدود الله تبارك وتعالى بالاقتصار على ما أحل دون ما حرم تأثيراً في إصلاح القلب وكذلك لتعدي حدود الله وانتهاك محارم الله سلام الله تأثيراً في إفساد القلب، فالقلب يتأثر بالمعصية تأثراً بالغاً، فكيف للإنسان الذي يعيش على الحرام، يأكل الحرام ويشرب الحرام، ويلبس الحرام، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء يا رب

(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم في كتاب: المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599).