الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٠480
الفتاوى المعاملات
يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذّي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك (1). وجاء في حديث أبي هريرة رسل المال الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن جرير الطبري ما يدل على تأثر القلب بأية معصية يرتكبها الإنسان، عندما يُسْلِسُ لها القياد ولا يقاومها حتى يتخلص من آثارها، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أذنب الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب ونزع واستغفر صقل، وإن هو عاد عادت حتى تملأ قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14] (2)، وهكذا شأن معصية الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يتحرى الحلال، وأن يحرص عليه، وأن يقتنع به، وأن يكف عن الحرام وعن الشبهات، حرصاً على إصلاح قلبه الذي هو سلطان جوارحه، تنقاد له الجوارح، وتتبعه في فساده وصلاحه، وقد أحل الله تبارك وتعالى من فضله لعباده البيع، وحلّية البيع أمر ضروري تتوقف عليه مصالح العباد جميعاً، وهو أمر تعورف عليه في الأوضاع البشرية جميعاً، ذلك لأن الناس محتاجون إلى الانتفاع بالمطعم والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك مما تتوقف عليه منافعهم، ولم تكن هذه الأمور ميسرة لكل أحد يستقل بتيسيرها لنفسه بنفسه، وإنما يحتاج الإنسان إلى ما في يد غيره، والنفوس جُبلت على الشر، فلو لم يشرع لهم البيع، ولو لم يتعارفوا على البيع، لكانت مشكلة كبيرة، لأنه إما يبقى الإنسان محروماً مما يحتاج إليه ويفتقر من المنافع التي جعلها الله تبارك وتعالى في أيدي غيره من الناس، وإما أن يتناولها بالعدوان، وذلك مما يؤدي
(1) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (1015) من طريق أبي هريرة.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة ويل للمطففين (3345)، وابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر الذنوب (4244).