الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٨١بحوث
481
إلى التدافع، وتكون عندئذ الفتن، وتحصل الكوارث التي تأتي على الطارف والتليد، وتهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، فلذلك شرع الله الله أحكام البيع، وجعل البيع ما تميل إليه نفوس العباد من أجل قضاء المصالح وتبادل المنافع، ويسره لهم تيسيراً، ولكن بجانب ذلك فإن الله تبارك وتعالى لم يكل أمر البيع إلى أهواء العباد، وإلا لتصرفوا تصرفاً يؤدي إلى الضرر فيما بينهما، وإنما ضبط الله الا الله في أحكامه التي أنزلها في كتابه وبينها رسوله البيع بضوابط أخلاقية هذه الضوابط كلها تنم عن الرحمة، وتدعو إلى البر والإحسان بين الناس، وتحد من جشع النفوس وحرصها على المال، فالبيع في الإسلام مضبوط بهذه الضوابط، ولذلك نهي عن كل بيع يترتب عليه فساد، لأن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام رحمة للعباد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَك إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ونحن عندما نرجع إلى الأوضاع البشرية القديمة والحديثة، والأنظمة التي تتعلق بهذا الأمر المهم الحيوي في حياتهم، نجد أن ما جاء به العباد ظلم في ظلم، فالعباد لم يشرعوا لأنفسهم القانون الأخلاقي في معاملاتهم فيما بينهم، بل نجد الاستغلال البالغ والوحشية التي تتجاوز الحدود، وهذا مما هو معروف في جميع الحضارات التي تعاقبت على المحيط الإنساني منذ عهود قديمة فجميع الأمم الموصوفة بالحضارات منذ أقدم العصور كانت معروفة بالمعاملات الربوية، وعدم التورع عن الربا، واستغلال حاجة المحتاج، وكذلك عندما ننظر إلى الأوضاع المالية البشرية في العصر الحاضر فإننا نجد أن الأنظمة البشرية لم تأت بخير، فهي تستغل حاجة الإنسان استغلالاً دنيئاً خطيراً، فها هي هذه الأمم المتحضرة الآن التي تنادي باسم الحضارة الإنسانية وبحقوق الإنسان وترفع عقيرتها لتزعم بأنها راعية لهذه الحقوق نجدها منغمسة انغماساً غريباً في هذا الأمر، والمسلمون