الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٣٥بحث
335
ولَمْ يقُلْ تعالى: إذا حضركم الموت، بل قال: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) لأجل بيان أن هذا الأمر يتوجه إلى كلّ أحد بذاته، فهو واجبٌ عَيْني يتحتم على جميع أفراد هذه الأمة، وليس متوجهاً إلى مجموعها، بخلاف قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) فإنّ القصاص لا يجب على كل أحد فرداً فرداً، وإنّما يجب على مَنْ تَسَبَّب لَه، ويجب على الأمة بمجموعها
أن تُعِينَ عليه، بحيث يتمكن ذو الحق من الاقتصاص ممن عليه الحق. وأُخر الفاعلُ الْمَوْتُ) وقُدَّمَ المفعولُ أَحَدَ لأجل تأكيد هذا الوجوب، فإنّ تقديم المفعول هنا على فاعله يفيد الاهتمام، بأن كُلَّ أحدٍ
يحضره الموت يحتم عليه إنفاذ هذا الأمر إن توفر الشرط المذكور هنا.
وحضور الموت ـ كما قلتُ ـ حضورُ أسبابه، والعَرَبُ تُكنِّي بالموت عن
الشيء الكريه، كما قال جرير: أنا الموتُ الذي أُخْبِرْتَ
عنه
فليسَ لِهَاربٍ مِنّي نَجَاءُ
ولا ريب أن أسباب الموت تؤدّي إلى الموت، ولَمَّا كانت كذلك عُبّرَ عنها بالموت، وإلا فَبَعْدَ أنْ يَحْضر أحداً الموتُ لا يتمكن من هذه الوصية
المطلوبة منه.
إن تَرَكَ خَيْرًا، قال: إن تَرَكَ) ولم يقل: إن يترك؛ لأجل تقريب المستقبل ليكون كالشيء الواقع، فالمستقبل هُنَا متأكد، فالذي عنده مال وقد حضره الموت فمن المتأكد أنه سيترك المال، فلذلك عبر بصيغة المُضِي كما في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا
خَافُوا عَلَيْهِمْ.
والخير هو المال، وكثيراً ما يُعبَّر في القرآن بالخير عن المال، فقد قال الله: وَإِنَّهُ لِحُبّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وحَكَى سبحانه عن عبده موسى